ويتيبن لنا، من هذا كله، أن الأنساق المتعددة تتكون من المركز والمحيط، أو ما يسمى أيضا بالمركز والهامش. فالمركز هو النواة المهيمنة. في حين، يعتبر الهامش مجرد محيط تابع. ويمكن التمييز أيضا بين الأنشطة أو النصوص الأولية أو الثانوية، أو النصوص المحافظة أو المجددة. ولايمكن الفصل بين الأنساق الأدبية ضمن وضعية سياقية معينة. بمعنى أن كل ثانوي يكون أوليا، والعكس صحيح كذلك. وبتعبير آخر، يتصارع المحافظ مع المجدد، فيستولي المجدد على زمام السلطة. وبعد مرور الوقت، يصبح المجدد محافظا يتمسك بقواعده ومعاييره المألوفة، دون أن يدخل عليها تجديدا أو تحسينا أو تغييرا. ثم، يأتي الخصم المجدد ليصبح بدوره محافظا أومقلدا، وهكذا، دواليك ...
ويخضع النسق أيضا لعلاقات خارجية، عندما يتفاعل مع باقي الأنساق والحقول الأخرى، كالسياسة، والاقتصاد، والثقافة، والدين ... ولايعني هذا أن النسق الأدبي يعكس مختلف هذه الأنساق المحيطة بطريقة مباشرة، بل بطريقة قائمة على التماثل والتوازي. كما يخضع النسق لعلاقات داخلية مع باقي أنساق التجمعات الأخرى. ومن هنا، فمهمة نظرية الأنساق المتعددة هو وصف التداخل الثقافي بين الأنساق المهجنة والديناميكية والمفتوحة وتفسيرها. لذا، تعنى هذه النظرية كثيرا بالترجمة الأدبية على أساس أنها أداة المثاقفة والتبادل الثقافي. ومن هنا، فهذه المقاربة وصفية وتفسيرية بامتياز. بمعنى أن هذه المقاربة تهتم بدراسة الظواهر الأدبية على مستوى تطورها وعلاقاتها الداخلية والخارجية وصفا وتفسيرا.
علاوة على ذلك، ليست هذه المقاربة النسقية انطباعية تعتبر الأدب تعبيرا عن ذاتية الفرد، وليست مقاربة وضعية أو جزئية أو إجرائية أو عملية، بل هي عبارة عن نموذج كوني،