هذا، وإنَّ الحماسة كثيرًا ما تُخرِج أصحابَها فيُقَدِّمون الخادِمَ فيجعلونه مخدومًا، والتابع فيجعلونه متبوعًا؛ لذا كان بيان تلك الضوابط من أهمِّ الأمور التي ينبَغِي أن تتواصَى بها؛ كلُّ ذلك لأنَّ دين الإسلام ما جاءَنا إلا ليخرجنا من عبوديَّة العِباد إلى عبوديَّة الله ربِّ العِبَاد.
أُشِيرُ إلى مسألةٍ يغفل عنها كثيرٌ من الناس مع أنها حقيقة جليَّة؛ ذلك أنَّ الله - عزَّ وجلَّ - أنزل: {اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا} [المائدة: 3] قبل أن يُفتَح بيتُ المقدس، وقبل أن يكون تحت حكم المسلمين، معنى هذا أنَّ كمال الدين ليس بالضرورة أن يكون بيت المقدس فيه، لكنَّنا إذا أقمنا أنفسنا على منهج الإسلام رجَع إلينا ما اغتُصِب من مقدَّساتنا وديارنا السليبة في جميع أرجاء الأرض، وفتَح الله لنا البِلاد وقلوب العِبَاد، ولذلك يُخطِئ كثيرٌ من المتحمِّسين حين يرَوْن الدعوة إلى جمْع كلمة المسلمين ووحدة صفِّهم هي الهمَّ الأوَّل ويتناسون في ذلك رجوع المسلمين عن بِدَعِهم وشهواتهم وأهوائهم ومَعاصِيهم التي هم فيها مغمورون، وهذا لا يرجع به عزٌّ للمسلمين، وإن رجعتْ أرض سليبة، أو عادت دِيار مُغتصَبة، فإنها تُنقَل من مُغتَصِب متسلِّط خارجي إلى متسلِّط من بني جلدتنا يتكلَّم بألسنتنا، فيكون السَّوط الذي يُلهِب الظُّهور بأيدي مَن ينتَسِبون إلينا، فيصبح الخَطْبُ أشدَّ، والضرر أفدَحَ.
لذلك فإنَّه ينبغي أن ننظر إلى علاقاتنا مع الله - عزَّ وجلَّ - ونعلَم أنَّ ربَّ العزَّة - سبحانه وتعالى - قال: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ} [النور: 55] ، ذلك هو الوعْد القائد إلى سلوك الطريق السوي الذي سلَكَه الأنبياء والمرسَلون؛ إذًا فما ضاع المسجد الأقصى إلا لأنَّنا فرَّطنا في إيماننا وضيَّعنا معالمه وأوامره، ولا يرجع المسجد الأقصى إلا أن نرجع