فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 94

انتَبِهُوا - إخوةَ الإسلام - فهذه هي عوامِل النَّصر، التي إنْ حقَّقناها وقَع النصر من الله بغير تأخيرٍ، انتَبِهوا، إنَّ الإيمان هو المقصد، فلا يعلو عليه شيءٌ، ولا يُقَدَّم عليه أمرٌ، ذلك دين الله الذي يَنصُر الله مَن تمسَّك به: عقيدة صحيحة، وعبادة مشروعة.

رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو أفضلُ خلقِ الله، يُصَدُّ عن بيت الله، ويبقى أيامًا طويلة في عناء وشِدَّة هو وأصحابه المؤمِنون المُجاهِدون حتى تتمَّ مُعاهَدة، ويوقع هذه المعاهدة التي يرى المسلمون فيها جورًا شديدًا، يَوَدُّون أنْ يُقاتِلوا ولا تُوقَّع هذه المعاهَدة، فيَزداد الأمر عليهم شدَّةً بتَوقِيعها، ولكنَّ الله يجعَل في المعاهدة نصرًا وفتحًا مُبِينًا، مع أنهم قد اشتَدَّ عليهم أنْ يُقال في بنود المعاهدة:"ترجعوا عَنَّا عامكم هذا"، ويشتدُّ عليهم أيضًا أن يقولوا:"مَن جاءَكم بغير إذْن وليِّه تردُّوه، ومَن جاءَنا لا نرده"، جَورٌ وصَلَفٌ، وظلم وتبجُّج، وسهيل بن عمرو هو الذي أملَى هذه الفقرات من تلك المعاهدة، إلاَّ أنَّه يُملِيها لحاجةٍ في نفسه لا لصالح قريش التي جاء عنها نائبًا متحدِّثًا مُعاهِدًا، والله حقَّق قدَرَه ونصَر المسلمين، فحاجة سهيل بن عمرو تظهر عندما تعلَم أنَّ لسهيل ولَدَيْن؛ أحدهما: عبدالله، وهو مسلمٌ يُجاهِد في صفوف المسلِمين، يودُّ أن يرجع إليه فلا يرده للمسلمين، والآخَر مُكبَّل في قيوده في بيت أبيه سهيل، هو أبو جندل الذي صار مسلمًا، يُرِيد إن فكَّ القيود وإن ذهَب إلى المسلمين أن يردُّوه، فوضَع ذلك القيد في العقد، وبنقله ذلك القيد إلى العقد نقَلَه من رجلَي ولده ليضعه في المعاهَدة، وعاد يظنُّ أنَّه قد انتَصَر، قدَّر الله أن تفكَّ القيود من أرجل المسلمين المُستَضعَفِين؛ تحقيقًا لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي جندل بن سهيل بن عمرو: (( ارجِع، فسيَجعَل الله لك ولأصحابك فرجًا ) )؛ ففُكَّت القيود، وخرَج جمعٌ من المسلِمين من القيود، فوجدوا مكة تفتِنُهم، والمدينة لا تحتضنهم، فيرَوْن طغيانًا من قريش، فخرجوا غضبًا عليها، ووقفوا على ممرِّ تجارة قريش يقطعونها، وقريش بلد غير ذي زرع لا تتحمَّل الحِصار، فاستَغاثتْ قريش بالمسلمين تقول لهم: اقبَلوا هؤلاء، وتنازَلوا عن هذا البند من بنود العقد، فما أملاه سهيل بن عمرو إلا لحاجةٍ في نفسه، وجعَلَها الله فرجًا ومخرجًا للمسلمين، وفتحًا مبينًا لهذا الدِّين، انظر فهذا فتح الله للمؤمنين؛ لأنهم آمَنوا وأذعنوا وأطاعوا، وعرفوا أنَّ النصر بيد الله رب العالمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت