فيما فرَّطنا، فنعود إلى ربِّ العالمين، ونُذكِّر بحديث النبي - صلى الله عليه وسلم: (( إذا تبايعتم بالعِينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزَّرع، وتركتم الجهاد، سلَّط الله عليكم ذلاًّ لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم ) )، فتدبَّر كيف أنَّ الله لا ينزع الذلَّ إلا أن ترجعوا إلى دينكم، الذي هو التوحيد وإخلاص العبادة، ثم ما يترتَّب على ذلك من شرائع، وهذا واضحٌ بتتبُّع الحوادث في هذه الأمَّة والأمم السابقة.
ينبغي أن نتعلَّم من التاريخ أنَّ ربَّ العزَّة - سبحانه وتعالى - هو الفعَّال لما يُرِيد، فهؤلاء أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - الذين أسلَموا وآمَنوا واتَّبعوه قبل الهجرة، عاشوا سنوات عشرة في ذُلٍّ وهوان، وعاشوا وهم لا يستَطِيعون أن يظهروا دينهم: يُعذَّب فيهم الضعيفُ، ويُقاطَع فيهم القويُّ الذي لا يقدر الكفار على تعذيبه، ويُهاجِرون إلى بلادٍ غير بلادهم؛ لأنهم لا يستطيعون أن يُقِيموا دينهم في مكة، فجاؤوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهم في هذه الشدَّة حيث مات ياسر والد عمَّار، وماتت أمه كذلك، وبلال يُعذَّب كلَّ يوم في رمضاء مكة عذابًا لا تتحمَّله الجِبال، فيأتي إلى النبي وفدُ هؤلاء الضُّعفاء يقولون: يا رسول الله، ألا تستنصر لنا، ألا ترى إلى ما نزَل بنا، وهو - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( والله ليُتِمَنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب - أو قال: الظَّعِينة - من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه، ولكنَّكم تستَعجِلون ) ) [1] .
ثم يقول - صلى الله عليه وسلم: (( إنَّ الرجل فيمَن كان قبلكم كان يُحفَر له في الأرض ويُوقَف في حفرته ويُوضَع المنشار على مفرقه، فيشق حتى يقع شقَّاه على الأرض، لا يمنعه ذلك عن دينه ) )؛ رواه البخاري.
فكان أوَّل النصر أن يَأذَن الله - عزَّ وجلَّ - لنبيِّه بالهجرة؛ قال - تعالى: إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ
(1) سيأتي بيان ذلك في فصل"بدأ الإسلام غريبًا".