يقف عمر والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مُسجًّى في ثوبه، يرقد على سريره، قد فاضَتْ روحُه إلى ربِّه، يقول بسيفه:"مَن قال: إنَّ محمدًا قد مات، ضربتُ عنقه، والله ما مات، إنما ذهَب إلى ربِّه، وسيَعُود ليقضي على هؤلاء المنافقين"، فعلم المنافقون أنَّ رقابهم مقصودة، وأنَّ تحرُّكاتهم مرصودة، فلزموا بيوتهم ولم يتحرَّكوا حتى استَتَبَّ الأمر للمسلمين، وفي ذلك تقول عائشة - رضي الله ... عنها:"لمَّا مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطَب أبو بكر خطبةً وخطب عمر خطبةً، فما كانت من خطبتَيْهما من خطبةٍ إلا نفَع الله بها، لقد خوَّف عمر الناس، وإنَّ فيهم لَنِفاقًا فردَّهم الله بذلك"؛ يعني: إنَّ الله ألقَى على لسان عمر - رضِي الله عنه - كلماتٍ خوَّفت المنافقين، والحديث رواه البخاري.
الله أكبر، إنَّه الإيمان الذي يَنصُر به الله أهله، إنَّه الإيمان الذي أضَعناه فغيَّر الله عِزَّنا إلى ذُلٍّ، ونصرَنا إلى هزيمة، وقوَّتنا إلى ضعفٍ، نحن لسنا في العدد قليلين بل كثيرين، ولكن أين الإيمان؟ هل تَذكُرون أنَّ المسلِمين دخَلُوا إلى غَزوة حنين بعددٍ لم يدخلوا إلى غزوةٍ قبلَها بعدد مثله، فقال بعضهم: لن نُغلَب اليوم من قِلَّة، فكان أنْ جعَل الله رِماح المشركين تردُّهم، فينفَضُّوا وهم بضعة آلاف، ولا يبقى إلا مائة من المؤمنين حول النبي - صلى الله عليه وسلم - يشرِّفهم الله بنَصرِه؛ لأنَّ الله يَنصُر بالإيمان لا بالعَدَد ولا بالعُدَد!
إخوةَ الإسلام، كثيرًا ما نفرِّط في أمر الاعتِقاد ونقول: دعونا من تصحيح الإيمان، المسلمون يُذبَّحون وأنتم تجلِسون في المساجد وتقولون للناس: قولوا: لا إله إلا الله! المسلمون تُستَباح أعراضُهم وأنتم تقولون للناس: لا تنذر إلا لله، ولا تدعُ إلا الله! ويقولون: نريد أن نجمَع كلمة المسلمين وأن نُوَحِّد صفَّهم، وأن نُواجِه عدوَّهم، فهذه أموال المسلمين يتحكَّم فيها الكفَّار، ولا بُدَّ أن نُنبِّه المسلمين لينتَزِعوها حتى لا يَقوَى بها عدوُّهم.
ليس هذا هو طريقَ المسجد الأقصى، ولا هو طريق عِزِّ المسلمين، ولا طريق عودة مجْدهم، ولا طريق التَّمكِين لهم؛ لأنَّ المسلمين ما انتصروا في يومٍ من الأيام بعَدَدٍ وفير، ولا بعُدَّة كثيرة؛ إنما النصر من عند الله ربِّ العالمين ينصر مَن يشاء، وينبغي أن نَتساءَل عن كلِّ بقعةٍ أصاب