العبدُ لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله )) ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( وأنا آمُركم بخمسٍ اللهُ أمرني بهن: السمع، والطاعة، والجهاد، والهجرة، والجماعة، فإنَّه مَن فارَق الجماعة قِيدَ شبرٍ فقد خلَع رِبقةَ الإسلام من عنقه إلا أنْ يرجع، ومَن ادَّعَى دعوى الجاهليَّة فإنَّه من جُثَا جهنَّم ) )، فقال رجلٌ: يا رسول الله، وإنْ صلَّى وصام؟ قال: (( وإنْ صلَّى وصام، فادعوا بدعوى الله الذي سمَّاكم المؤمنين عِباد الله ) ) [1] .
قال الإمام البيهقي في"سننه" (316) :
أخبرنا أبو الحسن محمد بن الحسين العلوي، أنبأ أبو نصر محمد بن عبدويه بن سهل الغازي، ثنا محمود بن آدم المروزي، ثنا سفيان بن عُيَيْنَةَ، عن جامع بن أبي راشد، عن أبي وائل قال: قال حذيفة لعبدالله بن مسعود - رضِي الله عنهما: عكوفًا بين دارك ودار أبي موسى وقد علمت أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( لا اعتِكاف إلا في المسجد الحرام ) )، أو قال: (( إلا في المساجد الثلاثة ) )!
فقال عبدالله: لعلَّك نَسِيتَ وحَفِظُوا، أو أخطأتَ وأصابُوا، الشك مِنِّي [2] .
(1) صحيح.
وأخرجه أحمد (4/ 130 - 202) ، والطيالسي في"مسنده" (116/ 1162) .
وابن حبَّان في"صحيحه" (6233) ، والطبراني في"الكبير" (3/ 285 - 289 أرقام 3427 - 3429، 3431) ، والحاكم في"المستدرك" (1/ 117 - 118) .
والآجُرِّي في"الشريعة" (7) ، وغيرهم، كلُّهم عن يحيى بنحوه.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، قال محمد بن إسماعيل: الحارث الأشعري له صحبةٌ، وله غيرُ هذا الحديث، وقال الحاكم: حديث صحيح.
قلت: وصحَّحه أيضًا ابن خزيمة في"صحيحه" (930) ، والألباني - رحمه الله - في"صحيح الجامع" (1724) ، وقال ابن القيم - رحمه الله - في"الوابل الصيِّب" (17) :"هذا الحديث العظيم الشأن، الذي ينبَغِي لكلِّ مسلمٍ حفظُه وتعقُّله".
(2) إسناده حسن.
وأخرجه الطحاوي في"المشكل" (4/ 20) ، والإسماعيلي في معجمه - عزاه إليه الألباني - رحمه الله - والمعجم لا تَطولُه يدي الآن، والذهبي في"سير أعلام النبلاء" (15/ 81) بإسناده، كلُّهم عن سفيان بنحوه.
وهذا إسناد حسن، لكن اختُلِف فيه على سفيان على الوَقْفِ والرَّفع، فقد رَواه محمود بن آدم المروزي، ومحمد بن الفرح، وهشام بن عمَّار ثلاثتهم عنه بالوجه السابق - أي: على الرفع - وخالفهم: عبدالرزاق كما في"المصنف" (4/ 348 رقم 8016) ، وعنه الطبراني في"الكبير" (9/ 302 رقم 9511) ، وسعيد بن عبدالرحمن ومحمد بن أبي عمر، عند الفاكهي في"أخبار مكة" (1334) ، ثلاثتهم عن سفيان عن جامع بن أبي راشد، عن أبي وائل، عن حذيفة موقوفًا، وقد رَواه سعيد بن منصور، عن سفيان بالإسناد السابق إلى حذيفة أنَّه قال لعبدالله بن مسعود:"قد علمتَ أنَّ رَسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( لا اعتكافَ إلا في المساجد الثلاثة - أو قال: مسجد الجماعة ) )هكذا على الشكِّ؛ ذكَرَه ابن حزم في"المحلى" 5/ 195، وقال ابن حزم: هذا شكٌّ من حذيفة أو ممَّن دُونَه، وقد تابَع أبا وائل إبراهيمُ على رواية الوقف، فقد أخرَجَه عبدالرزاق (4/ 347 رقم 8014) وابن أبي شيبة 2/ 503، والطبراني في"الكبير"9/ 301 رقم 9510)، ثلاثتهم عن الثوري، عن واصِل الأحدب، عن إبراهيم، عن حذيفة، وإسنادُه منقَطِع؛ إبراهيم لم يُدرِك حذيفة، وقد رُوِي عن إبراهيم بإسنادٍ آخَر عند الطبراني في"الكبير" (9/ 301 رقم 9510) ، وهو معلولٌ أيضًا بالعلَّة السابقة، وقد صحَّح الطريق المرفوع الإمامُ الذهبي، فقال في "السِّيَر"بعد سِياقِه الحديث: صحيح غريب عالٍ، وصحَّحه أيضًا على الرَّفع العلاَّمة الألبانيُّ - رحمه الله - كما في"السلسلة الصحيحة" (2786) ، وقال: واعلم أنَّ العلماء اختَلفُوا في شرطيَّة المسجد للاعتِكاف وصفته كما تَراه مبسوطًا في (المصنفين) ، و"المحلَّى"وغيرهما، وليس في ذلك ما يَصِحُّ الاحتجاج به سوى قوله - تعالى: {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ} [البقرة: 187] وهذا الحديث الصحيح، والآية عامَّة، والحديث خاصٌّ، ومُقتَضى الأصول أنْ يُحمَل العام على الخاص، وعليه؛ فالحديث مُخصِّص للآية ومُبيِّن لها، وعليه يدلُّ كلامُ حذيفة وحديثه، والآثار في ذلك مختلفةٌ أيضًا."
قلت: والمسألة تحتاج إلى بسطٍ أوسع من هذا، وليس هنا موضعه، لكن راجِع"الفتح" (4/ 319) ، و"المغني"مع"الشرح الكبير" (3/ 23) .
والله تعالى أعلم.