قال الإمام البخاري (6/ 320 رقم 3176) [1] :
1 -حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا عبدالله بن العَلاء بن زَبْرٍ قال: سمعت بُسْرَ بن عبدالله، أنَّه سمع أبا إدريس قال: سمعتُ عوف بن مالك قال: أتيتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك وهو في قبَّة من أدم، فقال: (( اعدُد ستًّا [2] بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس [3] ، ثم مُوتَان يأخُذ فيكم كقُعاصِ الغَنَم، ثم استِفاضَة المال حتى يُعطَى الرجل مائةَ دينار
(1) وأخرجه أبو داود (4/ 300 رقم 5000) عن مؤمل بن الفضل، عن الوليد بن مسلم به مختصرًا.
وأخرجه ابن ماجه (2/ 1341 رقم 4042) عن عبدالرحمن بن إبراهيم، عن الوليد بن مسلم به، وأيضًا في (2/ 1371 رقم 4095) بنفس الإسناد.
(2) قال الحافظ: أي: ست علامات لقيام الساعة، أو لظهور أشراطها المقتربة منها.
(3) وكان ذلك في العام السادس عشر من الهجرة، وفي خلافة عمر - رضِي الله عنْه.
ويجمل في هذا المقام أنْ أَسُوقَ ما قالَه ابن كثيرٍ حول هذا الفتح المبارَك وما فيه من عِبَر ومَواعِظ تَتَجلَّى فيها سِمات الفاتِحين المُنتَصِرين، ولعلَّ ذلك يكون نِِبراسًا لنا نهتَدِي ويُمكِّن لنا في الأرض به، ولينصرنَّ الله مَن ينصره.
قال ابن كثير في"البداية والنهاية" (7/ 52) : ملخص ما ذكَرَه - أي: ابن جرير - هو وغيره: أنَّ أبا عبيدة لما فرغ من دمشق كتَب إلى أهل إيليا يَدعُوهم إلى الله وإلى الإسلام، أو يبذلوا الجزية، أو يؤذنوا بحرب، فأبوا أنْ يُجِيبوا إلى ما دَعاهم إليه، فرَكِبَ إليهم في جنوده، واستَخلَف على دمشق سعيد بن زيد، ثم حاصَر بيتَ المقدس وضيَّق عليهم حتى أجابُوا إلى الصُّلح، بشرط أنْ يقدم إليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.
فكتب إليه أبو عبيدة بذلك، فاستَشار عمر الناسَ في ذلك، فأشار عثمان بن عفان بألاَّ يركب إليهم؛ ليكون أحقر لهم وأرغم لأنوفهم.
وأشار عليُّ بن أبي طالب بالمَسِير إليهم؛ ليكون أخفَّ وَطأةً على المسلِمين في حِصارهم بينهم، فهوى ما قال عليٌّ، ولم يَهْوَ ما قال عثمان.
وسار بالجيوش نحوَهم، واستَخلَف على المدينة علي بن أبي طالب، وسار العبَّاس بن عبدالمطلب على مقدمته، فلمَّا وصَل إلى الشام تلقَّاه أبو عبيدة ورؤوس الأمراء، كخالد بن الوليد ويزيد بن أبي سفيان، فترجَّل أبو عبيدة، وترجَّل عمر، فأشار أبو عبيدة ليُقبِّل يد عمر، فهَمَّ عمر بتَقبِيل رجل أبي عبيدة، فكَفَّ أبو عبيدة، فكفَّ عمر.
ثم سار حتى صالَح نَصارَى بيت المقدس، واشتَرَط عليهم إجلاء الرُّوم إلى ثلاث، ثم دخلها إذ دخل المسجد من الباب الذي دخَل منه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ليلةَ الإسراء.
ويُقال: إنَّه لبَّى حينَ دخَل بيتَ المقدس، فصلَّى فيه تحيَّة المسجد بمِحراب داود، وصلَّى بالمسلِمين فيه صلاة الغَداة من الغد، فقَرَأ في الأولى بسورة ص، وسجَد فيها والمسلِمون معه، وفي الثانية بسورة بني إسرائيل، ثم جاءَ إلى الصَّخرة فاستَدلَّ على مكانها من كعب الأحبار، وأشار عليه كعب أنْ يجعل المسجد من ورائه، فقال: ضاهَيْتَ اليهوديَّة، ثم جعَل المسجد في قبلي بيت المقدس، وهو العمري اليوم، ثم نقَل التراب عن الصخرة في طرف رِدائه وقبائه ونقَل المسلمون معه في ذلك، وسخر أهل الأردن في نقل بقيَّتها، وقد كانت الرُّوم جعَلُوا الصخرة مزبلةً؛ لأنها قبلةُ اليهود، حتى إنَّ المرأة كانت تُرسِل خرقة حيضتها من داخِل الحوز لتُلقَى في الصخرة؛ وذلك مكافأةً لما كانت اليهود عامَلَتْ به القمامة؛ وهي المكان الذي كانت اليهود صلبوا فيه المصلوب، فجعَلُوا يلقون على قبره القمامة، فلأجل ذلك سُمِّي ذلك الموضع القمامة، وانسَحَب هذا الاسم على الكنيسة التي بَناها النصارى هنالك.
وقد كان هرقل حين جاءَه الكتاب النبوي وهو بإيلياء، يعظ النصارى فيما كانوا قد بالَغوا في إلقاء الكناسة على الصخرة حتى وصلتْ إلى مِحراب داود، قال لهم: إنَّكم لخليق أن تقتلوا على هذه الكناسة ممَّا امتهنتم هذا المسجد كما قتلتْ بنو إسرائيل على دم يحيى بن زكريا، ثم أُمِرُوا بإزالتها، فشرعوا في ذلك فما أزالوا ثلثها حتى فتَحَها المسلِمون، فأزالها عمر بن الخطاب، وقد استَقصَى هذا كلَّه بأسانيده ومتونه الحافظُ بهاء الدين بن الحافظ أبي القاسم بن عساكر في كتابه"المستقصى في فضائل المسجد الأقصى".
وذكَر سيف في سِياقه: أنَّ عمر - رضِي الله عنْه - ركب من المدينة على فرسٍ ليسرع السَّيْر بعدما استخلف عليها علي بن أبي طالب، فسار حتى قدم الجابية، فنزل بها وخطب بالجابية خطبةً طويلة بليغة منها:
أيها الناس، أَصلِحوا سرائِرَكم تصلح علانيتكم، واعملوا لآخرتكم تُكفَوا أمر دنياكم، واعلَموا أنَّ رجلًا ليس بينه وبين آدم أب حي، ولا بينه وبين الله هوادة، فمَن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة؛ فإنَّ الشيطان مع الواحد، وهو مع الاثنين أبعد، ولا يخلونَّ أحدُكم بامرأةٍ فإنَّ الشيطان ثالثهما، ومَن سرَّته حسنته وساءَتْه سيِّئته، فهو مؤمن.
وهي خطبة طويلة اختصرناها.
ثم صالَح عمر أهل الجابية ورحل إلى بيت المقدس، وقد كتَب إلى أمراء الأجناد أنْ يُوافوه في اليوم الفلاني إلى الجابية، فتوافَدُوا أجمعون في ذلك اليوم إلى الجابية، فكان أوَّل مَن تلقَّاه يزيد بن أبي سُفيان، ثم أبو عُبيدة، ثم خالد بن الوليد في خُيول المسلمين وعليهم يلامق الديباج، فسار إليهم عمر ليحصبهم فاعتَذرُوا إليه بأنَّ عليهم السلاح، وأنهم يَحتاجُون إليه في حروبهم.
فسكتَ عنهم، واجتَمَع الأمراء كلُّهم بعدَما استخلفُوا على أعمالهم سوى عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسَنَة، فإنهما مواقفان الأرطبون بأجنادين، فبينما عمر في الجابية إذا بكردوس من الروم بأيديهم سيوفٌ مسللة، فسارَ إليهم المسلمون بالسِّلاح، فقال عمر: إنَّ هؤلاء قوم يستأمنون.
فساروا نحوَهم فإذا هم جندٌ من بيت المقدس يطلبون الأمان والصُّلح من أمير المؤمنين حين سمعوا بقدومه، فأجابهم عمر - رضِي الله عنْه - إلى ما سألوا، وكتب لهم كتابَ أمانٍ ومصالحة، وضرَب عليهم الجزية، واشترط عليهم شروطًا ذكَرَها ابن جرير.
وشهد في الكتاب خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعبدالرحمن بن عوف، ومعاوية بن أبي سفيان، وهو كاتب الكتاب، وذلك في سنة خمس عشرة.
ثم كتَب لأهل لدٍّ ومَن هنالك من الناس كتابًا آخَر، وضرَب عليهم الجزية، ودخَلُوا فيما صالَح عليه أهل إيلياء، وفرَّ الأرطبون إلى بلاد مصر، فكان بها حتى فتَحَها عمرو بن العاص، ثم فَرَّ إلى البحر فكان يَلِي بعض السرايا الذين يُقاتِلون المسلمين فظفر به رجلٌ من قيسٍ فقطع يد القيسي، وقتَلَه القيسي، وقال في ذلك:
فَإِنْ يَكُنْ أَرْطَبُونُ الرُّومِ أَفْسَدَهَا = فَإِنَّ فِيهَا بِحَمْدِ اللهِ مُنْتَفَعَا
وَإِنْ يَكُنْ أَرْطَبُونُ الرُّومِ قَطَّعَهَا = فَقَدْ تَرَكْتُ بِهَا أَوْصَالَهُ قِطَعَا
ولَمَّا صالَح أهل الرملة وتلك البلاد، أقبَلَ عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة حتى قدما الجابية، فوجَدَا أميرَ المؤمنين عمر بن الخطاب راكِبًا، فلمَّا اقتَربَا منه أَكَبَّا على ركبتَيْه فقَبَّلاها، واعتَنقَهما عمر معًا - رضِي الله عنْهم.
قال سيف: ثم سار عمرُ إلى بيت المقدس من الجابية، وقد توحى فرسه فأتَوْه ببرذون فركبه، فجَعَل يُهَملِج به فنزل عنه وضرَب وجهَه، وقال: لا علَّم الله مَن علَّمَك، هذا من الخُيَلاء، ثم لم يركب برذونًا قبله ولا بعده، ففتحت إيلياء وأرضها على يديه، ما خلا أجنادين فعلى يدي عمرو، وقيسارية فعلى يدي معاوية.
هذا سياق سيف بن عمر.
وقد خالَفَه غيرُه من أئمَّة السِّيَر: فذهَبُوا إلى أنَّ فتح بيت المقدس كان في سنة ست عشرة.
قال محمد بن عائذ، عن الوليد بن مسلم، عن عثمان بن حصن بن علان، قال يزيد بن عبيدة: فتح بيت المقدس سنة ست عشرة، وفيها قَدِمَ عمرُ بن الخطاب الجابية.
وقال أبو زرعة الدمشقي، عن دحيم، عن الوليد بن مسلم قال: ثم عادَ في سنة سبع عشرة فرجع من سرع، ثم قَدِمَ سنة ثماني عشرة فاجتَمَع إليه الأمراء، وسلَّموا إليه ما اجتمع عندهم من الأموال، فقسمها وجنَّد الأجناد، ومصَّر الأمصار، ثم عاد إلى المدينة.
وقال يعقوب بن سفيان: ثم كان فتح الجابية وبيت المقدس سنة ست عشرة.
وقال أبو معشر: ثم كان عمواس والجابية في سنة ست عشرة.
ثم كانت سرع في سبع عشرة، ثم كان عام الرمادة في سنة ثماني عشرة.
قال: وكان فيها طاعون عمواس - يعني: فتح البلدة المعروفة بعمواس - فأمَّا الطاعون المنسوب إليها فكان في سنة ثماني عشرة كما سيأتي - إن شاء الله تعالى.
قال أبو مخنف: لَمَّا قدم عمرُ الشام فرأى غوطة دمشق ونظَر إلى المدينة والقُصُور والبَساتِين، تلا قوله - تعالى: {كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْما آخَرِينَ} [الدخان: 25 - 28] .
ثم أنشد قول النابغة:
هُمَا فَتَيَا دَهْرٍ يَكِرُّ عَلَيْهِمَا = نَهَارٌ وَلَيْلٌ يَلْحَقَانِ التَّوَالِيَا
إِذَا مَا هُمَا مَرَّا بِحَيٍّ بِغِبْطَةٍ = أَنَاخَا بِهِمْ حَتَّى يُلاَقُوا الدَّوَاهِيَا
وهذا يقتَضِي بادِيَ الرأي أنَّه دخَل دمشق، وليس كذلك؛ فإنَّه لم ينقل أحدٌ أنَّه دخَلَها في شيءٍ من قَدَماتِه الثلاث إلى الشام:
أمَّا الأولى: وهي هذه، فإنَّه سارَ من الجابِيَة إلى بيت المقدس، كما ذكَر سيف وغيره - والله أعلم.
وقال الواقدي: أمَّا رواية غيرِ أهل الشام، فهي أنَّ عمرَ دخَل الشام مرَّتين، ورجَع الثالثة من سرع سنة سبع عشرة، وهم يقولون: دخَل في الثالثة دمشق وحمص، وأنكر الواقدي ذلك.
قلت: ولا يُعرَف أنَّه دخل دمشق إلاَّ في الجاهليَّة قبل إسلامه، كما بسَطنا ذلك في سيرته.
وقد روينا أنَّ عمر حين دخَل بيت المقدس، سأَل كعب الأحبار عن مكان الصخرة.
فقال: يا أمير المؤمنين، أذرع من وادي جهنم كذا وكذا ذراعًا، فهي ثَمَّ.
فذرعوا فوجدوها وقد اتَّخَذها النصارى مزبلةً كما فعلت اليهود بمكان القمامة، وهو المكان الذي صُلِبَ فيه المصلوب الذي شُبِّه بعيسى، فاعتَقَدت النصارى واليهود أنَّه المسيح.
وقد كذَبُوا في اعتِقادهم هذا كما نصَّ الله - تعالى - على خطئهم في ذلك.
والمقصود: أنَّ النصارى لَمَّا حكَمُوا على بيت المقدس قبلَ البعثة بنحوٍ من ثلاثمائة سنة طهَّرُوا مكان القمامة، واتَّخذوه كنيسة هائلة بنَتْها أمُّ الملك قسطنطين باني المدينة المنسوبة إليه، واسم أمه هيلانة الحرانية البندقانية.
وأمرتْ ابنها فبنى للنصارى بيت لحم على مَوضِع الميلاد، وبنَتْ هي على مَوضِع القبر - فيما يَزعُمون.
والغرض أنهم اتَّخَذُوا مكانَ قبلة اليهود مزبلةً أيضًا في مقابلة ما صنعوا في قديم الزمان وحديثه.
فلمَّا فتح عمر بيت المقدس وتحقَّق موضع الصخرة، أمَر بإزالة ما عليها من الكناسة، حتى قِيل: إنَّه كنسها بردائه.
ثم استَشار كعبًا: أين يضع المسجد؟ فأشار عليه بأنْ يجعله وراءَ الصخرة، فضَرَب في صدره وقال: يا ابن أمِّ كعب، ضارَعتَ اليهود، وأمَر ببنائه في مقدم بيت المقدس.
قال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، ثنا حماد بن سلمة، عن أبي سنان، عن عبيد بن آدم، وأبي مريم، وأبي شعيب: أنَّ عمر بن الخطاب كان بالجابية فذكَر فتح بيت المقدس، قال: قال ابن سلمة: فحدثني أبو سنان، عن عبيد بن آدم، سمعت عمر يقول لكعب: أين ترى أنْ أصلِّي؟
قال: إنْ أخذتَ عنِّي صليتَ خلف الصخرة، وكانت القدس كلها بين يديك.
فقال عمر: ضاهَيْتَ اليهوديَّة، لا ولكنْ أُصَلِّي حيث صلَّى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فتقدَّم إلى القبلة فصلَّى، ثم جاء فبسَط رِداءه وكنس الكناسة برِدائه، وكنس الناس.
وهذا إسناد جيِّد، اختارَه الحافظ ضياء الدين المقدسي في كتابه"المستخرج"، وقد تكلَّمنا على رجاله في كتابنا الذي أفردناه في"مسند عمر"، ما رواه من الأحاديث المرفوعة، وما رُوِي عنه من الآثار الموقوفة مُبَوَّبًا على أبواب الفقه، ولله الحمدُ والمنَّة.
وقد روى سيف بن عمر، عن شيوخه، عن سالم قال: لَمَّا دخل عمر الشام، تلقَّاه رجلٌ من يهود دمشق، فقال: السلام عليك يا فاروق، أنت صاحب إيلياء؟ لاها الله لا ترجع حتى يفتح الله عليك إيلياء.
وقد روى أحمد بن مروان الدينوري، عن محمد بن عبدالعزيز، عن أبيه، عن الهيثم بن عدي، عن أسامة بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جدِّه أسلم مولى عمر بن الخطاب: أنَّه قدم دمشق في تجار من قريش، فلمَّا خرَجُوا تخلَّف عمر لبعض حاجته، فبينما هو في البلد إذا ببطريق يأخُذ بعنقه، فذهَب يُنازِعه فلم يقدر، فأدخَلَه دارًا فيها تراب وفأس ومجرفة وزنبيل، وقال له: حول هذا من هاهنا إلى هاهنا، وغلق عليه الباب، وانصَرَف فلم يجئ إلى نصف النهار.
قال: وجلست مفكرًا ولم أفعل ممَّا قال لي شيئًا.
فلمَّا جاء قال: ما لك لم تفعل؟!
ولكَمَنِي في رأسي بيده، قال: فأخذت الفأس فضربتُه بها فقتلتُه، وخرجتُ على وجهي فجئتُ ديرًا لراهب، فجلست عنده من العَشِيِّ فأشرَفَ عليَّ فنزل وأدخَلَنِي الدير، فأطعمَنِي وسقاني وأتحفني، وجعَل يُحقِّق النظر فِيَّ، وسألني عن أمري، فقلت: إني ضللتُ أصحابي.
فقال: إنَّك لتَنظُر بعينِ خائف، وجعَل يتوسَّمني، ثم قال: لقد عَلِم أهلُ دين النصرانيَّة أنِّي أعلَمُهم بكتابهم، وإنِّي لأراك الذي تخرجنا من بلادنا هذه، فهل لك أن تَكتُب لي كتابَ أمانٍ على ديري هذا؟
فقلت: يا هذا، لقد ذهبت غير مذهب، فلم يزل بي حتى كتبتُ له صحيفة بما طلَب مِنِّي، فلمَّا كان وقت الانصِراف أعطاني أتانًا، فقال لي: اركبها، فإذا وصَلتَ إلى أصحابك فابعَثْ إلَيَّ بها وحدَها، فإنها لا تمرُّ بدير إلا أكرَمُوها.
ففعلتُ ما أمرني به، فلمَّا قدم عمر لفتح بيت المقدس أتاه ذلك الراهب وهو بالجابية بتلك الصحيفة، فأمضاها له عمر، واشترط عليه ضيافةَ مَن يمرُّ به من المسلمين، وأنْ يُرشِدهم إلى الطريق؛ رواه ابن عساكر وغيره.
وقد ساقَه ابنُ عساكر من طريقٍ أخرى في ترجمة يحيى بن عبيدالله بن أسامة القرشي البلقاوي، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، فذكَر حديثًا طويلًا عجيبًا هذا بعضه.
وقد ذكَرنا الشروط العمريَّة على نصارى الشام مُطَوَّلًا في كتابنا"الأحكام"، وأفرَدنا له مُصنَّفًا على حِدَةٍ، ولله الحمدُ والمنَّة.
وقد ذكَرنا خطبته في الجابية بألفاظها وأسانيدها في الكتاب الذي أفرَدناه لمسند عمر، وذكَرنا تواضُعَه في دُخوله الشام في السيرة التي أفرَدناها له.
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثني الربيع بن ثعلب، نا أبو إسماعيل المؤدِّب، عن عبدالله بن مسلم بن هرمز المكي، عن أبي العالية الشامي قال: قدم عمر بن الخطاب الجابية على طريق إيلياء على جملٍ أورق، تَلُوح صلعته للشمس، ليس عليه قلنسوة ولا عمامة، تصطَفِق رِجلاه بين شعبتي الرحل بلا رِكاب، وطاؤه كساء أنبجاني ذو صوفٍ هو وطاؤُه إذا ركب، وفراشُه إذا نزل، حقيبته نمرة أو شملة محشوَّة ليفًا، هي حقيبته إذا ركب، ووسادته إذا نزل، وعليه قميصٌ من كرابيس قد رسم وتخرَّق جنبُه.
فقال: ادعوا لي رأسَ القوم، فدعوا له الجلومس.
فقال: اغسلوا قميصي وخيطوه، وأَعِيروني ثوبًا أو قميصًا.
فأُتِي بقميصٍ من كتان، فقال: ما هذا؟
قالوا: كتان.
قال: وما الكتان؟
فأخبروه فنزَع قميصَه، فغسل ورقع، وأتى به فنزع قميصهم ولبس قميصه.
فقال له الجلومس: أنت ملك العرب، وهذه البلاد لا تصلُح بها الإبل، فلو لبست شيئًا غير هذا وركبت برذونًا، لكان ذلك أعظم في أعين الرُّوم.
فقال: نحن قومٌ أعزَّنا الله بالإسلام، فلا نطلب بغير الله بديلًا، فأُتِي ببرذون فطُرِح عليه قطيفةٌ بلا سرج ولا رحل، فركبه بها، فقال: احبسوا احبسوا، ما كنتُ أرى الناس يَركَبون الشيطان قبل هذا، فأُتِي بجمله فركبه.
وقال إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا سعدان بن نصر حدثنا سفيان، عن أيوب الطائي، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: لَمَّا قَدِم عمرُ الشام عرضَتْ له مخاضةٌ، فنزل عن بَعِيرِه ونزَع مُوقَيْه فأمسَكهُما بيده، وخاضَ الماء ومعه بعيرُه.
فقال له أبو عبيدة: قد صنعتَ اليوم صنيعًا عظيمًا عند أهل الأرض، صنعتَ كذا وكذا.
قال: فصكَّ في صَدرِه، وقال: أولو غيرك يقولها يا أبا عبيدة! إنكم كنتم أذلَّ الناس وأحقرَ الناس، فأعزَّكم الله بالإسلام، فمهما تطلبوا العزَّ بغيره يُذِلَّكم الله.