وجهاد النفس مقدمة جهاد العدو، ومَن لم يُجاهِد نفسه ليعمَل بالشرع ويقف عند حدوده، لم يمكنه أنْ يُجاهِد عدوَّه؛ بل إنَّ خُروجَه للجِهاد قبل بلوغ مَواطِن النِّزال إنما هو من جِهاد النفس على ذلك؛ لذا ففي حديث أحمد عن فضالة بن عبيد - رضِي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في حجَّة الوداع: (( ألاَ أخبركم مَن المسلم؟ مَن سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن مَن أمِنَه الناس على أموالهم وأنفسهم، والمهاجر مَن هجَر الخطايا والذُّنوب، والمُجاهِد مَن جاهَد نفسه في طاعة الله ) ).
وجهاد الشيطان في تَزيِينه للشهوات وفي تَلبِيسه بالشبهات؛ لأنَّه العدوُّ الذي لا تتحوَّل عداوته، ولا يُستَمال جانبه؛ لذا قال - تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} [فاطر: 6] ، فالعبد مأمورٌ ببذْل الجهد في التخلُّص من حِيَل الشيطان، وإنَّ من أعظم ذلك الدُّخول في حوزة الرحمن، بالاستِعاذة به من الشيطان، ثمرة ذلك جهاد العدو الكافر بالسيف والسِّنان؛ طلبًا للخير والعطاء من الديَّان.
ومن الجهاد المشروع جهادُ العُصاة على الطاعة: بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وإقامة السلاطين للحدود، والأخْذ على أيدي المُفسِدين، فهذه خمس صُوَر من صُوَر الجهاد: جهاد النفس، والشيطان، والعُصَاة، والكفَّار، والمنافقين، يدخُلها الجهاد: باليد، واللسان والقلب.
وإنما ذكرتُ هذه الكلمات ليَعرِف المسلم أنَّ الجهاد سمةُ دِين الإسلام، وأنَّ الجهاد ليس هو مجرَّد قتال ولا بذل النفس، إنما حَدَّه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في حديث البخاري ومسلم عن أبي موسى - رضي الله عنه - قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، ما القِتال في سبيل الله؟ فإنَّ أحدنا يُقاتِل غضبًا ويُقاتِل حميَّة، فقال: (( مَن قاتَل لتكون كلمة الله هي العُليَا، فهو في سبيل الله ) )، فينبغي أن تعلم أنَّ الجهاد إنما يكون بالقرآن؛ {فَلاَ تُطِعِ الكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} [الفرقان: 52] ، وأنْ يكون الجهاد لرفْع راية القرآن، كما يكون الجهاد محكومًا بالأحكام التي جاء بها القرآن والسنَّة.