فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 94

بهذا فكأنَّه ما عاد، بل قد بقي سليبًا، ونتذكَّر مرَّة أخرى أنَّ الله أنزل: {اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] ، ولم يكن المسجد الأقصى يومَها من دِيار المسلمين ولا تحت سيطرتهم، ولا فتح إلا والمسلمون في عِزٍّ وتَمكِين.

فوالله إنِّي لأعجَب من عمر الذي فتَح الله له بيت المقدس وغيره من البلاد، يُرسِل إليه عمرو بن العاص رسالةً يطلب فيها أن يركب المسلمين البحر ليغزو بلاد الكفر فيما وراء البحر، فيرسل عمر إلى معاوية بن أبي سفيان يسأله: صِفْ لي البحر، هذا عمر خليفة المسلمين لا يعرف البحر!

نعم، إنَّه لا ينتصر بمعرفة البحار؛ إنما ينتصر بمعرفة ربِّ البحار، ربِّ السموات والأرض وما فيهنَّ، فعمر إنْ كان لا يَعرِف البحر فإنَّه يعرف ربَّ البحر ويَسجُد له، ويَعرِف أنَّ النَّصر ليس إلاَّ من عند الله، فهو يُصلِّي له ويعبده، يعلم أنَّ ربَّ العالمين - سبحانه وتعالى - ينصر الجند بالإسلام، ويَنصُر الجندَ بالإيمان وبالتقوى وبعمل الصالحات.

إخوةَ الإسلام، إنَّ ربَّ العِزَّة - سبحانه وتعالى - وعده حقٌّ وصدق، ولكن لا بُدَّ أن نُحَقِّق الشرط في أنفسنا؛ فالنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( المؤمن القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير، احرِص على ما ينفَعُك، واستَعِنْ بالله، ولا تعجز ... وإنْ أصابك شيءٌ فلا تقل: لو أنِّي فعلتُ كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإنَّ"لو"تفتح عمل الشيطان ) )، هذا الحديث المبارك فيه إرشادٌ كريم، وتعليمٌ قويم، لكن ما هي القوَّة المطلوبة في هذا الحديث؟ (( المؤمن القوي ) )؛ تعني: القوي في إيمانه، الذي يستَعِدُّ بما استَطاع من قوَّة ماديَّة (قوَّة بدن، وعدد، وسلاح) ؛ لأنها أمرٌ من أوامر الدين والإيمان، لا لأنَّه ينتصر بقوَّة السِّلاح، ولا لأنَّه ينتَصِر بالعَدد والعُدَّة، بل لأنَّ النصر من عند الله يَنصُر رسله، ويَنصُر المؤمن، فالعدَّة الأساسيَّة هي الإيمان.

إخوةَ الإسلام، اعلموا أنَّه لا يرجع بيت المقدس ولا المسجد الأقصى إلا بجباهٍ ساجدة، وقلوب موحِّدة، قلوب تَعرِف ربَّها فتلجأ إليه وتتضرَّع، وتعلَم أنَّ العُدَّة سببٌ، وأنَّ العَدد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت