اللَّهَ مَعَنَا [التوبة: 40] ، فإذا كان القرآن الكريم قد عدَّ الهجرة ظفرًا ونصرًا، فكلُّ قول يُخالِف ذلك، فهو قولٌ باطل مردود.
فالهجرة نصرُ ربِّ العالمين لنبيِّه الكريم؛ بل نصرُه لهذا الدين؛ حيث يُهاجِر النبي - صلى الله عليه وسلم - ويَبقَى مع المسلمين سنوات سِتًّا في حديدهم حتى قالوا: يا رسول الله، أنَبقَى في حديدنا أبدَ الدَّهر؟ يعني: نبقى وراء هذا السلاح لا نأمَن، فأنزل الله - عزَّ وجلَّ: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ} [النور: 55] ، أنزَل الله هذه الآية جوابًا لسؤال المسلمين المستَضعفِين لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فالإسلام دين الجهاد، سواء في قضيَّة الأقصى أو في غيرها من القَضايا، والجهاد أعلاه وأشرفه جهاد السَّيف والسِّنان، جهاد القِتال في سبيل الله، يُضحِّي فيه المسلم بدمه وماله طالبًا النصرَ، لا بعددٍ ولا عدَّة، إنما طالبًا نصر الله رب العالمين، لتكون كلمة الله هي العُليَا.
إنَّ الله جلَّت قدرته استَدرَج المسلمين في غزوات كثيرة ليُظهِر لهم نصره ويشرِّفهم بدينه، من تلك الغزوات غزوة بدر وغزوة الحديبية، والمسلِمون يرَوْن المشرِكين من أهل مكة قد اغتَصبُوا أموالهم وأخَذُوا دِيارَهم وطرَدُوهم من بِلادهم؛ ليتمتَّعوا هم بالمال ويجهِّزوا به قوافل التجارة التي تذهَب إلى الشام وتعود، تمرُّ قريبًا من المسلمين تقول لهم بلسان الحال: أنتم لا حرمةَ لكم ولا خوف منكم، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرى أصحابه حُفاةً لا يجدون نِعالًا يلبسونها، عُراةً لا يجدون ثِيابًا تُوارِي سوءاتِهم، عالةً لا يجدون المال الذي يحتاجونه في طعامهم وشرابهم، قد طُرِدوا من دِيارهم ولا دِيار تُؤوِيهم، وهذه أموالهم بيد قريش التي اغتَصبت الدِّيار والأموال، يرى ذلك هو وأصحابُه فيأمرهم مرَّة أنْ يخرجوا لِمُلاقَاة عِيرٍ لقريش يَقودُها أبو سُفيان إلى الشام، فتفلت العِير مع أبي سفيان، وما أفلتَتْ لِسُوءِ تَقديرٍ أو خطأ تدبيرٍ منهم، إنما أفلتَتْ لأنَّ الله قدَّر ذلك، ثم تُنهِي تجارة قريش مهمَّتها، ويرجع أبو سفيان بالعِير والتجارة إلى قريش، ويمرُّ على المدينة فيجمَع ... النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أصحابَه ليخرجوا مرَّة أخرى ليلاقوا هذه العير التي فيها أموالهم وفيها حقُّهم المغتَصَب، ولكنَّ الله يقدِّر أيضًا في هذه المرَّة أن تفلت العِير وتجتمع قريش بالصَّلَف والغُرور، والكِبْر والظُّلم، تُرِيد أن