تؤدِّب المسلمين - كما زعَموا - تُرِيد أن تردعهم حتى لا يلاحقوا تجارةً لهم بعد ذلك، ناسين أنهم هم المعتَدُون الظالمون، قهروا الناس في عقائدهم، وفتَنوهم في دِينهم، لكنَّ الله يريد أن يريهم قوَّة لم يعهدوها من قبل؛ لعلَّهم أنْ يرجعوا عن كفْرهم، ومع أنَّ أبا سفيان يرسل إلى أبي جهل أنَّ التجارة قد نجتْ، لكنَّ أبا جهل يقول: لا واللهِ لا نَرجِع حتى نَرِدَ بدرًا؛ فنشرب الخمر، وتُغنِّينا القِيان، وتسمَع بنا العرب، فلا تزال ترهبنا أبدًا، وربُّ العزَّة - سبحانه وتعالى - يصوِّر حال المؤمنين في قوله: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى المَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ * وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الحَقَّ وَيُبْطِلَ البَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ} [الأنفال: 5 - 8] ، تريدون هذه العِير وهذه التجارة وهذا المال، ولا تريدون اللقاء والحرب، لكنَّ الله - عزَّ وجلَّ - استَدرَجَهم حتى وصلوا إلى ميدان المعركة، وجاء بالمشركين وكانوا ألفًا معهم السلاح، متأهِّبين للقِتال بسلاحهم وعددهم، لكنَّ الله جعَلَه يوم الفرقان، لا لأنَّهم جمعوا عَدَدًا، ولا لأنهم جمعوا عُدَدًا، ولكن لأنهم جمعوا الإيمان والتقوى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [المائدة: 9] .
فتحقَّق وعْدُ الله يوم الفرقان يوم التَقَى الجمعان، وأنزَل الله ملائكته يُحارِبون إلى جِوار المسلمين يُثبِّتون الذين آمَنوا، ويُلقِي الله الرُّعب في قلوب الكافرين؛ فيكون النصر من الله ربِّ العالمين لرسوله ومَن آمَن معه، وتبقى مكة في حربٍ مستمرَّة مع المسلمين في المدينة، من الهجرة وحتى آخِر العام السادس؛ حيث يُرِي ربُّ العزَّة نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - رؤيا فيها أنَّه يطوف بالبيت آمِنًا وادِعًا، ويطوف أصحابه ويحلِقون ويقصِّرون، ويتسلَّم النبي - صلى الله عليه وسلم - مفاتيح الكعبة، والمسلمون يعلَمون أنَّ ذلك وعدٌ حقٌّ من الله؛ لأنَّ رؤيا الأنبياء وحي صادق، وأمر واجب، وقدر نافذ، فيُسرِع المسلمون بالخروج مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مُعتمِرين ملبِّين، فيُحدِث الله - عزَّ وجلَّ - حدثًا غير الذي خرجوا له؛ يُحدِث لهم صلحًا يسمِّيه رب العزة فتحًا مبينًا: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا} [الفتح: 1] ؛ ذلك لأنَّهم بايَعوا تحت الشجرة على الإيمان، فكان أفضل مواقف المسلمين، حيث بشر بالجنة مَن شهدها.
جاء المسلمون إلى مكَّة وقد لبسوا ملابس الإحرام، ولبوا بالعمرة لله رب العالمين، وساقوا