معهم الهدي، فإذا بقريش تقف لتصدَّهم عن البيت الحرام، فمالوا حتى يبتعدوا عن طريق جيش قريش الذي يُرِيد أن يصدَّهم، فلمَّا بلغوا الحديبية بركتْ ناقة النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّه أمرٌ أرادَه ربُّ العزَّة - سبحانه - لخير قريش وتمكين المسلمين، فعرَض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المُفاوَضة والصُّلح، وأرسل عثمان يُفاوِض عنه أهل مكة، ولكن شاع الخبر أنَّ عثمان قُتِل، فاشتدَّ الأمر على المسلمين، فبايَعوا النبي - صلى الله عليه وسلم - على القِتال والموت، بايَعوا على ألاَّ يفرُّوا، وفي جانب قريش تقوم اجتماعات مكثَّفة، وتستَعِين فيها بالمشركين مُفاوِضين من مختلف القبائل التي تُحِيط بمكة، فهذا ثقفي، وآخَر من الأحابيش، كلٌّ يفاوض نائبًا عن قريش يتكلم باسمها، فيفكِّر المسلمون، أقتل عثمان أم لم يقتل؟ ويفكِّرون هل سيعتَمِرون أو سيُصَدُّون عن البيت ويرجعون بغير عمرة؟ هل سيقاتلون أو لا يقاتلون؟ وإذا قاتَلُوا هل يُنصَرون أو يُهزَمون؟ وهل سيعاهدون أو يعودون بغير معاهدة؟
كلُّ هذا يشغل بال كلِّ مسلم من الذين عسكروا في الحديبية، وقد طال بهم الحصر، والدار ليست دار مقام، فإذا السماء تُمطِر من الليل، ويصبحون ليؤدُّوا صلاة الصبح خلْف النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد رأوا أثَر المطر، فيصلِّي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم يستقبلهم ويسأل: (( أتدرون ما قال ربكم الليلة؟ ) )، فقالوا: الله ورسوله أعلم، وكأنِّي بهم ينتَظِرون أن يقول: قال ربكم الليلة: لم يُقتَل عثمان، أو قُتِل عثمان؛ لأنَّ ذلك يشغل بالَهم، وهو سبب بيعة الرِّضوان، وقد قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بيده يضرب بها على الأخرى: (( وهذه لعثمان ) )؛ أي: إنَّه يُبايِع بيده اليسرى على اليمنى بدلًا من يد عثمان بيعةً عنه كأنَّه شهدها وهو غائب، أو قال ربكم: ستنتصرون أو تنهزمون، أو قال ربكم: ستعاهدون أو لا تعاهدون، أو قال ربكم: الليلة ستعتمرون أو ستصدون؛ كلُّ ذلك لأنه مقتضى الحال، والأمر الذي يشغل البال، فيكون عليه مَدار التفكير، ومن عجبٍ أن يقول النبيُّ - صلى الله عليه وسلم: (( قال ربُّكم الليلة: أصبح من عبادي مؤمنٌ بي وكافرٌ؛ أمَّا مَن قال: مُطِرنا بنَوْءِ كذا ونَوْء كذا، فهو كافرٌ بي مؤمنٌ بالكوكب، وأمَّا مَن قال: مُطِرنا بفضل الله ورحمته، فهو مؤمنٌ بي كافرٌ بالكوكب ) )، كأنهم وهم في هذه الشدَّة والضنك والألم الشديد الذي ينتَظِرون له تفريجًا، يُصَحِّح لهم ربُّ العزَّة قولهم: مُطِرنا بنَوْء كذا ونَوْء كذا.