{آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} حقَّق لهم الوعْد، فاستَخلَفهم في الأرض، وأعمل فيهم سنَّته في كونه كما استَخلَف الذين من قبلهم، لكنَّ الشيطان أغوى أجيالًا من بعدهم: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم: 59] ، ففقدوا بتَخلِّيهم عن الوَفاء بالشرط: {آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} ، فقَدوا تحقُّق الوعد؛ فإذا ببلادهم تُهان بالكافرين والملحِدين واليهود والمجوس والصليبيين وأعوانهم وأضرابهم من الفجَرَة المجرمين، فكان أنْ غاصَت بِقاع واسعة من بلاد المسلمين تحت الشيوعيَّة ونارها، وبِلاد أخرى تحت الصليبيَّة وكفرها، وكان أخيرًا أنْ وقَع بيت المقدس أسيرَ اليهود؛ أشباه القردة والخنازير، قتَلَة الأنبياء، والمغضوب عليهم، الملعونين في كتاب ربِّ العالمين.
فهل من عودةٍ إلى العِزَّة والنصر والتَّمكِين؟ الجواب: {وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} [النور: 55] .
لكن ينبغي علينا هنا أن نعلم ما هو هذا الشرط؟ إنَّه الإيمان وعمل الصالحات؛ أمَّا الإيمان فأركانه ستَّة: (( أن نؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره ) )، وهو الأساس الذي لا ينبغي أن نغفل عنه لحظةً، ولا نهمل منه شيئًا، وأمَّا عمل الصالحات فمعناه: فعل المأمورات، واجتِناب المحظورات؛ طاعةً لله وإيمانًا برسوله - صلى الله عليه وسلم - فيدخل فيها تصحيحُ الاعتقاد وضبطُ العِبادات على سنَّة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويدخل فيها كذلك تنظيمُ البيوت من بِرٍّ للوالِدين، وإحسانٍ للزَّوجات والأبناء، ومُراعَاةٍ لحقوق الجوار، وأمرٍ بالمعروف ونهيٍ عن المنكر، وغضٍّ للبصر، وحفْظ للفرج، وانتهاء عن الربا والغش والظلم، كلُّ ذلك وأمثاله داخلٌ في قوله - تعالى: {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} ، لكنَّ الآية جاءتْ في سورة النور، وهي السورة التي نزلتْ مُؤذِنة بعهدٍ جديد في حياة الرسالة الخاتمة من حَياة النبي - صلى الله عليه وسلم - فكان نزولها عقب غزوة بني المصطلق التي جاءَتْ بعد غزوة الأحزاب، والتي نزلت في شأنها سورة الأحزاب، وبينهما وقتٌ قصيرٌ، حيث كانتْ غزوة الأحزاب آخِر غزوة تُهاجِم فيها جيوش المشركين المسلمين فتقاتلهم في المدينة، وبعدها قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم ) )، هذه رواية البخاري وهي رواية البزار عن جابر - رضِي الله عنه - بلفظ: (( لا يغزونكم بعد هذا أبدًا، ولكن أنتم تغزونهم ) )، فجاءتْ سورة النور تُطَهِّر المؤمنين ليقوموا بواجب الجِهاد والدعوة؛