فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 94

وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ [غافر: 51] ، والذي ينظر بعين الإنصاف لقوله - تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ * إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 40] ، والذي يستَعرِض الآيات التي نزلتْ في غزوة بدرٍ وفي غزوة الأحزاب وفي غزوة حنين وغيرها، يَعلَم أنَّ الله - سبحانه وتعالى - أيَّد المسلمين في بدرٍ بالملائكة المسوِّمين يقاتلون معهم، وأيَّدهم يومَ الأحزاب بريحٍ وجنود؛ فنَصَر عبدَه، وأنجَزَ وَعدَه، وهزَم الأحزاب وحدَه، ويومَ حنين صرف الجموع الغفيرة عن ميدان القتال، ففرُّوا وولَّوا مُدبِرين، وأنزل الله سكينته على رسوله - صلى الله عليه وسلم - وعلى المؤمنين، وأنزل جنودًا لم يرَوْها وعَذَّب الذين كفروا، وذلك جزاء الكافرين.

والمتدبِّر لحدث الهجرة يَعلَم أنَّ الله أَبطَل كيدَ الكافِرين، وأخَذ بأبصارهم عندما خرج من بيته وعندما جاؤوه عند الغار، ورَدَّ عنه سراقة بن مالك وأكبَّه عن جواده لما اقترب منه، فسلَّمه في رحلته، وخيَّب الله الكافرين في سعيهم.

بهذا يعلم كلُّ مسلم أنَّ عليه واجبًا لا يجوز أن يتخلَّى عنه في عمل الصالحات، وهو سببٌ نحو نشرِ دعوة الإسلام وعودة العِزِّ لأهله، وإرجاع الأرض المسلوبة، وعودة المسجد الأقصى والأندلس وبخارى وسمرقند وسائر الأرض السليبة المنزوعة، وأنَّ الأمر ليس إلا بنصر الله العزيز الحكيم، لا بالدعاوى الفارِغة الجوفاء، ولا الحناجر العالية، ولا الأصوات المبحوحة والمسيرات الطويلة؛ إنما بإقامة شرع الله ودينه، جاءت الآية التالية في سورة النور بعدها بقوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [النور: 56] .

فبالجِباه الساجدة، والأيدي المتوضِّئة، والأنفس الزكيَّة، والأجساد المتطهِّرة، والألسنة المحفوظة - يقع النصر والتَّمكِين، بذلك يَشعُر كلُّ أحدٍ أنَّ عليه واجبًا نحو النصر، نحو القدس، نحو دِماء المسلمين، نحو دِيار المسلمين، فليُؤَدِّ كلُّ أحدٍ الواجب عليه: {إِن تَنصُرُوا اللهَ يَنصُرْكُمْ} [محمد: 7] ، فكيف تطلبون نصره وأنتم تُفرِّطون في شرعه؛ (( احفَظ الله يحفظك،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت