كم كان بينهما؟ قال: (( أربعون سنة، ثم أينما أدرَكتَ الصلاة بعد فصلِّه، فإنَّ الفضل فيه ) ) [1] .
(1) وأخرجه مسلم (1/ 370 رقم 520) ، والنسائي (2/ 32) ، وابن ماجه (2/ 248 رقم 753) ، والحميدي في"مسنده" (1/ 74 رقم 134) ، وأحمد (5/ 156، 157، 160، 166) ، وابن خزيمة في"صحيحه" (2/ 5 رقم 787) ، كلُّهم من طُرُقٍ عن الأعمش عن إبراهيم به.
دفع إشكال:
قد يقَع إشكالٌ، وهو أن سليمان، المعروف أنَّه الذي بنَى المسجد الأقصى، وأهل التاريخ يقولون بأنَّ بين إبراهيم وسليمان أكثر من ألف عام، فكيف يتَّفِق هذا مع الحديث المتقدم؟! وقد أجاب العلماء عنه هذا الإشكال بعدَّة أجوبة.
قال الإمام الزركشي في"إعلام الساجد" (29) : أَشكَل هذا الحديثُ على بعضِهم، فقال: إنَّه معلومٌ أنَّ سليمان بن داود - صلى الله عليه وسلم - هو الذي بنى المسجد الأقصى كما روى النسائيُّ بإسنادٍ صحيح من حديث عبدالله بن عمرو يَرفَعه: إنَّ سليمان بن داود لَمَّا بنَى بيت المقدس، سأل الله ثلاثًا، وهو بعد إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - كما قال أهل التاريخ بأكثر من ألف عام، وهذا القائل جَهِلَ التاريخ، فإنَّ سليمان - عليه السلام - إنما كان له من المسجد الأقصى تجديده لا تأسيسه، والذي أسَّسه هو يعقوب بن إسحاق - صلى الله عليهما - بعد بناء إبراهيم الكعبة بهذا القدر.
ولما ذكره الحافظ أبو حاتم ابن حبان البستي في"صحيحه"المسمى بـ"التقاسيم والأنواع"، قال: فيه دحضٌ لقول مَن زعَم أنَّ بين إسماعيل وداود - صلى الله عليهما وسلم - ألف سنة، وردَّ على ذلك الحافظ الضياء المقدسي في استدراكاته عليه، وقال: وجه هذا الحديث أنَّ هذين المسجدين وُضِعَا قديمًا، ثم خُرِّبا، ثم بُنِيَا.
وقال الحافظ في"الفتح" (6/ 470 - 471) : قال ابن الجوزي: فيه إشكال؛ لأنَّ إبراهيم بنى الكعبة، وسليمان بنى بيت المقدس، وبينهما أكثر من ألف سنة، انتهى، ومُستَنده في أنَّ سليمان - عليه السلام - هو الذي بنى المسجد الأقصى: ما رواه النسائي من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص مرفوعًا بإسنادٍ صحيح:"أنَّ سليمان لَمَّا بنى بيت المقدس سأَل الله - تعالى - خِلالًا ثلاثًا ..."الحديث، وفي الطبراني من حديث رافع بن عميرة:"أنَّ داود - عليه السلام - ابتَدَأ بناء بيت المقدس، ثم أوحى الله إليه: إنِّي لأقضي بِناءَه على يد سليمان"، وفي الحديث قصَّة، قال: وجوابه أنَّ الإشارة إلى أوَّل البناء ووضْع أساس المسجد، وليس إبراهيم أوَّل مَن بنى الكعبة، ولا سليمان أوَّل من بنى بيت المقدس؛ فقد روينا أنَّ أوَّل مَن بنى الكعبة آدم ثم انتشر ولدُه في الأرض، فجائزٌ أنْ يكون بعضُهم قد وضَع بيت المقدس ثم بنى إبراهيم الكعبة بنصِّ القرآن، وكذا قال القرطبي: أنَّ الحديث لا يدلُّ على أنَّ إبراهيم وسليمان لَمَّا بنيا المسجدين ابتدأا وضعهما لهما، بل ذلك تجديدٌ لما كان أسَّسه غيرهما، قلت: وقد مشَى ابن حبَّان في"صحيحه"على ظاهِر هذا الحديث، فقال: في هذا الخبر ردٌّ على مَن زعَم أنَّ بين إسماعيل وداود ألف سنة، ولو كان كما قال لكان بينهما أربعون سنة، وهذا عين المحال؛ لطول الزمان بالاتِّفاق بين بناء إبراهيم - عليه السلام - البيت وبين موسى - عليه السلام.
ثم إنَّ في نصِّ القرآن أنَّ قصة داود في قتْل جالوت كانت بعد موسى بمدَّة، وقد تعقَّب الحافظ الضياء بنحوِ ما أجاب به ابن الجوزي، وقال الخطابي: يُشبِه أنْ يكون المسجد الأقصى أوَّل ما وضَع بناءَه بعضُ أولياء الله قبلَ داود وسليمان، ثم داود وسليمان، فزادَا فيه ووسَّعاه، فأُضِيف إليهما بناؤه، قال: وقد يُنسَب هذا المسجد إلى إيلياء، فيحتَمل أن يكون هو بانيه أو غيره، ولست أحقِّق لِمَ أضيف إليه.
قلت: الاحتِمال الذي ذكَرَه أولًا مُوجَّهٌ، وقد رأيتُ لغيره أنَّ أوَّل مَن أسَّس المسجد الأقصى آدم - عليه السلام - وقيل: الملائكة، وقيل: سام بن نوح - عليه السلام - وقيل: يعقوب - عليه السلام - فعلى الأوَّلَيْن يكون ما وقَع ممَّا بعدَهما تجديدًا كما وقَع في الكعبة، وعلى الأخيرَيْن يكون الواقع من إبراهيم أو يعقوب أصلًا وتأسيسًا، ومن داود تجديدًا لذلك، وابتداء بناء فلم يكمل على يده حتَّى أكمَلَه سليمان - عليه السلام - لكن الاحتِمال الذي ذكَرَه ابن الجوزي أوجَهُ، وقد وجَدتُ ما يَشهَد له ويُؤيِّد قول مَن قال: إنَّ آدم هو الذي أسَّس كلاًّ من المسجدين، فذَكَر ابن هشامٍ في"كتاب التيجان"أنَّ آدم لَمَّا بنى الكعبة أمَرَه الله بالسير إلى بيت المقدس وأنْ يبنيه، فبناه ونسك فيه، وبِناءُ آدم للبيت مشهورٌ، وقد تقدَّم قريبًا حديث عبدالله بن عمرو: أنَّ البيت رُفِع زمن الطوفان حتى بوَّأه الله لإبراهيم.
وروى ابن أبي حاتم من طريق معمر، عن قتادة قال: وضَع الله البيتَ مع آدَم لَمَّا هبط، ففَقَد أصوات الملائكة وتسبيحَهم، فقال الله له: يا آدم، إنِّي قد أهبَطتُ بيتًا يُطافُ به كما يُطافُ حولَ عرشي، فانطلق إليه، فخرج آدم إلى مكة، وكان قد هبط بالهند ومدَّ له في خطوه، فأتى البيت فطاف به، وقيل: إنَّه لَمَّا صلَّى إلى الكعبة أمر بالتوجُّه إلى بيت المقدس فاتَّخَذ فيه مسجدًا وصلَّى فيه؛ ليكون قبلة لبعض ذريته، وأمَّا ظنُّ الخطابي أنَّ إيلياء اسم رجل، ففيه نظرٌ، بل هو اسم البلد فأضيف إليه المسجد كما يُقال: مسجد المدينة، ومسجد مكة، وقال أبو عبيد البكري في"معجم البلدان": إيليا مدينة بيت المقدس، فيه ثلاث لغات: مد آخره، وقصره، وحذف الياء الأولى، قال الفرزدق:
لَوَى ابْنُ أَبِي الرَّقْرَاقِ عَيْنَيْهِ بَعْدَمَا = دَنَا مِنْ أَعَالِي إِيلِيَاءَ وَغَوَّرَا
وعلى ما قالَه الخطابي يُمكِن الجمع بأنْ يُقال: إنها سميت باسم بانيها كغيرها، والله أعلم.