فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 94

أحسن منه، ولا أنفس منه، ولا أعف من أهلها، ولا أطيب من العيش بها، ولا أنظف من أسواقها، ولا أكبر من مسجدها، ولا أكثر من مشاهدها، وكنتُ يومًا في مجلس القاضي المختار أبي يحيى بهرام بالبصرة، فجرى ذكرُ مصر، إلى أنْ سُئِلت: أي بلد أجل؟ قلت: بلدنا، قيل: فأيهما أطيب؟ قلت: بلدنا، قيل: فأيهما أفضل؟ قلت: بلدنا، قيل: فأيهما أحسن؟ قلت: بلدنا، قيل: فأيهما أكثر خيرات؟ قلت: بلدنا، قيل: فأيهما أكبر؟ قلت: بلدنا، فتعجَّب أهل المجلس من ذلك، وقيل: أنت رجل محصل، وقد ادَّعيتَ ما لا يُقبَل منك، وما مثلك إلا كصاحب الناقة مع الحجاج، قلت: أمَّا قولي: أجل؛ فلأنها بلدة جمعت الدنيا والآخرة؛ فمَن كان من أبناء الدنيا وأراد الآخِرة وجَد سُوقَها، ومَن كان من أبناء الآخِرة فدعَتْه نفسُه إلى نعمة الدنيا وجَدَها، وأمَّا طِيب هوائها فإنَّه لا سمَّ لبردها، ولا أذًى لحرِّها، وأمَّا الحسن فلا يُرَى أحسن من بنيانها، ولا أنظف منها، ولا أنزه من مسجدها، وأمَّا كثرة الخيرات فقد جمَع الله فيها فواكه الأغوار والسهل والجبل، والأشياء المتضادَّة كالأترج واللوز، والرطب والجوز، والتين والموز، وأمَّا الفضل فهي عرصة القيامة، ومنها النشر وإليها الحشر، وإنما فُضِّلت مكة بالكعبة، والمدينة بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ويوم القيامة تزفَّان إليها فتَحوِي الفضل كلَّه، وأمَّا الكبر فالخلائق كلهم يُحشَرون إليها، فأيُّ أرض أوسع منها؟ فاستَحسَنُوا ذلك وأقرُّوا به، قال: إلاَّ أنَّ لها عيوبًا، يُقال: إنَّ في التوراة مكتوبًا: بيت المقدس طَست من ذهب مملوء عقارب، ثم لا ترى أقذر من حماماتها ولا أثقل مؤنة، وهي مع ذلك قليلة العُلَماء، كثيرةُ النصارى، وفيهم جفاء، وعلى الرحبة والفنادق ضرائبُ ثِقال، وعلى ما يُباع فيها رجالة، وعلى الأبواب أعوانٌ، فلا يمكن أحدٌ أنْ يبيع شيئًا ممَّا يرتَفِق به الناس إلا بها مع قلَّة يَسار، وليس للمظلوم أنصارٌ، فالمستور مهموم، والغني محسود، والفقيه مهجور، والأديب غير مشهور، ولا مجلس نظر ولا تدريس، قد غلب عليها النصارى واليهود، وخلا المجلس من الناس، والمسجد من الجماعات، وهي أصغَرُ من مكة وأكبر من المدينة، عليها حصن بعضه على جبل وعلى بقيَّته خندق، ولها ثمانية أبواب حديد: باب صهيون، وباب النية، وباب البلاط، وباب جب أرميا، وباب سلوان، وباب أريحا، وباب العمود وباب محراب داود - صلى الله عليه وسلم - والماء بها واسع، وقيل: ليس ببيت المقدس أكثر من الماء والأذان؛ قلَّ أنْ يكون بها دار ليس بها صهريج أو صهريجان أو ثلاثة على قدر كبرها وصغرها، وبها ثلاث بِرَك عِظام: بركة بني إسرائيل، وبركة سليمان، وبركة عياض، عليها حماماتهم لها دواعٍ من الأزقة، وفي المسجد عشرون جبًّا مشجرة، قلَّ أن تكون حارة ليس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت