وأساس التوجيه في هذه الأسرة أوامر غير مفهومة ولا مبررة، ولذلك يتحين الابناء الفرص للإنفتاق من"أغلالها"و"آصارها"الصارمة.
وهذا النموذج التقليدي في انحسار دائم أمام وسائل الاتصال والفضائيات الحديثة، ومؤسسات التحديث التربوي والثقافي والاجتماعي الموجهة بالتأثيرات الأجنبية والتي تمزقها وتحيلها الى أكداس من العمالة والخدمة الرخيصة في أسواق الاستهلاك التي يقيمها وكلاء الشركات العالمية وسياسات العولمة في الأقطار العربية والإسلامية.
النموذج الثاني: نموذج الأسرة الغربية - الحديثة - وهو نموذج تجاري وفد في ركب الاستعمار ومارس التبشير وأفرزته مؤسسات التربية والتعليم، والناشئون بنظم التربية الغربية في هذا النموذج، فقد البيت فيه وظائفه العربية - الاسلامية - لصالح مكان العمل ويتجاذب المرأة فيه علاقتان: علاقة افقية مضطربة مع زوج فقد قوامته بسبب انحسار انفاقه ومكانته. وعلاقة عامودية مع رئيس عمل يتحكم بمصير المرأة الوظيفي وراتبها المالي وهذه علاقة لم تحرر المرأة - كما يزعمون - وإنما أجبرتها على تحويل طاعتها وزينتها وحسن تبعلها الى مكان العمل حيث يتمتع رئيس العمل أو صاحبه بالغالب - وأحيانًا بجميع - ما كان يتمتع به زوج البيت، بينما لم يبقى لزوج البيت إلا الكسل والعجر والرثاثة والسأم والعبوس والصراخ والمزاج المتبرم، ولم يبق للبنين والبنات إلا دور الحضانة ورياض الأطفال التي تنشئهم على ثقافة القطيع التي تهيؤهم لسوق العمل وبسبب ذلك يتقرر تماسك الأسرة الحديثة طبقًا لمحصلة التجاذب المتضاد بين متطلبات رئيس العمل من ناحية ومتطلبات زوج البيت من ناحية أخرى ولقد أدرك الروائي - فيث بالدوين Faith Baldwin - طبيعة هذا التنافر والإضطراب الذي أصاب الأسرة الحديثة فكتب عام 1929 م روايته زوجة المكتب The office Wife والتي أعيد طبعها عام 1993 م.
وزاد في تمزق هذا النموذج من الأسرة التأثير السلبي الذي أحدثته - وما زالت تحدثه - قنبلتان مزقت هذه الأسرة أيما تمزق. القنبلة الأولى فكرة قيام علاقة الزوجين على مطالبة كل منها بحقوقه وهذه فكرة ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب لإنها جعلت كلًا من الرجل والمراة لا يفكر إلا بما ياخذ، بعكس فكرة المسئولية التي جاء بها الإسلام التي جعلت وتجعل كلًا منهما يفكر بما يعطي، والأخذ في الحقوق يتحول إلى جشع والجشع يقود الى الصراع والإختلاف والشقاق والتفكك، بينما المسؤلية تؤدي الى تبادل العطاء والتبادل يقود الى المودة وتوثيق الروابط واستمرارية الحياة الاسرية.
وأما القنبلة الثانية التي فجرت الأسرة فهي فكرة المساواة بين الرجل والمرأة وهي فكرة لا وجود لها في واقع الحياة الأسرية وغير الأسرية، ولا توجه إليها التعاليم الدينية ولا الفلسلفات الدنيوية العلمانية، فالأديان جاءت بالدرجية: أي أن الله جعل الناس بعضهم فوق بعض درجات ليسألهم عن أمانة كل درجة، والفلسفات العلمانية قررت الطبقية في مكان العمل والمجتمع، والمطلوب أن ينظم العدل او