الصفحة 18 من 94

أثر التنظيم القبلي في قوة الدول وضعفها، ففي التاريخ الاسلامي قامت الدول الاسلامية على ما أسماه ابن خلدون"قوة العصبية القبلية"وهنا لا بد من نقد ابن خلدون في هذا التعميم الذي لم يميز بين القبيلة والعصبية القبلية، فالأول"القبيلة"كما قلنا تنظيم إسلامي أما"العصبية القبلية"فهي مرض كان يصيب القبائل التي قامت عليها الدول فيحولها الى عوامل هدم بعد أن كانت عوامل بناء

3 -وأخيرًا لا بد من ملاحظة أثر القبيلة في المجتمعات العربية الحديثة، فالقبائل فيها اسهمت بشكل واضح في الحفاظ على القوة العسكرية في هذه الأقطار وإن كان البعض قد حولها الى عصبيات استثمرها بعض الافراد والهيئات الحزبية والطائفية حين قوبلت تربية هذه القبائل وبناء ثقافاتها على الاثم والعدوان بدل البر والتقوى

ولقد تجسدت تطبيقات هذه"القبيلة"المتراحمة في تنظيم الجيوش الاسلامية في صدر الاسلام حيث كانت تتكون من القبائل العربية المشبعة بـ"ثقافة التعاون على البر والتقوى"والنفور من"ثقافة الإثم والعداون"وإذا صعب عليهم النصر تنادوا أن"تمايزوا"- أي لتتميز كل قبيلة عن غيرها- وتتمايز معها على التضحية والجهاد وأصواتهم تردد أن لا يؤتى الضعف من قبل قبيلتهم.

كذلك تجسدت تطبيقات هذه القبيلة المتراحمة في تخطيط المدن والقرى الاسلامية حيث كان يبنى في وسطها - المسجد الجامع-وبجواره دار الامارة، وحولهما خطط - أي قطع كبيرة من الأرض يخصص كل قبيلة خطة منها.

وجميع هذه الخطط ينحدر منها شوارع تتلاقى في ساحة المسجد لتجتمع كلمة القبائل على ثقافة"وتعاونوا على البر والتقوى".

وفي هذه الخطط أصبحت تنشئة الصبيان مسئولية القبيلة مجتمعه، ويكفي أن نسترجع صورة الصبي الذي كان ينشأ في أحياء مدننا وقرانا في بيئة مشبعة بالمحبة والأمن والسلامة، فإذا درج في شوارعنا تبادلته أحضان الجد والجدة، أو العم والعمة، أو الخال والخالة، وإذا عثر وبكى انتشلوه وقبلوه وهدأ وأمن روعه ثم ملؤوا جيبه بقطع الحلوى ثم حملوه أو اقتادوه ألى أمه وأبيه. وإذا تخطى مرحلة - الطفولة - الى الصبا ارتاد مسجد الحي ليصووب له الأخوال والأعمام ركوعه وسجوده وتلاوته، وارتاد مضافه الحي ليدربوه على الآداب العامة وكيفية المشاركة في بناء القبيلة.

أما في المدن الحديثة المزروعة بغابات البنايات الشاهقة المحشوة بأخلاط الأجناس الذين لا يجمعهم إلا"ثقافة الانتاج والاستهلاك"، فإنه لا يسمح للطفل أن يتخطى عتبة الشقة دون أن يملأ الوالدان أذنيه بالتحذيرات المرعبة وقصص الاطفال الذين خرجوا دون علم ذويهم فالتقى بهم الأشرار من الجيران والزوار على درجة البناية أو في المصعد، ثم انتهى بهم الامر الى الخطف والاغتصاب والقتل. وإذا تخطى الطفولة الى الصبا فتتحول هذه القصص المرعبة الى مبررات الالتحاق بشلل المراهقين الجانحين والجانحات، المدمنين على الجنس والمخدرات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت