ولكن تاريخ التربية الحديثة يخبرنا أن مؤسساتها القائمة تنقسم إلى قسمين: مؤسسات التعليم الخاص، التي تعد أبناء الطبقات العليا للقيادة والتملك، ومؤسسات التعليم العام التي تعد أبناء الطبقات الدنيا للعمل والتبعية. ولذلك تعمل الأولى على تنظيم مناهجها وإداراتها؛ لتقدم للدارسين فيها المعارف والمهارات والاتجاهات اللازمة للحكم والتملك، بينما يتركز عمل مؤسسات التعليم العام على صب الإنسان الذي تخرجه في قوالب جامدة التفكير، موجهة الإرادة، ويكون من ثمارها إفراز ثقافة القطيع الذي يطيع نظم العمل وقوانينه، يظلم فيصمت، ويؤمر فيطيع، ولا تتعدى همته حاجاته في الغذاء والكساء والنكاح.
ولعله من المناسب أن نقول: إن مؤسسات التعليم العام في الأقطار المتقدمة لا تخلو من التجديد، ولكنه تجديد لا يشمل غايات الحياة، وأفكار الإنسان ومشاعره المتعلقة بقضايا النشأة والحياة والمصير، وإنما يقتصر على معارفه العلمية والإدارية، وكل ما يساعد على تجديد وسائل الحياة في الإنتاج والاستهلاك.
أما مؤسسات التربية في أقطار العالم الثالث - ومنها الأقطار العربية والإسلامية - فهي خالية من التجديد،
معادية لها، وظيفتها قولبة العقول والإرادات، بما يحقق الخضوع المطلق للنظم السياسية الحاكمة والأعراف والتقاليد الشائعة. ومن أراد الوقوف على أصول تخطيط هذه النظم التربوية، فليقرأ ما كتبه - مثلا - (( مارتن كارنوي ) )في كتابه (( التربية كاستعمار ثقافي ) )، وما كتبه (( بولر فرير ) )في كتبه المختلفة، وما كتبه أمثال (( جول سبرنج ) )، (( وبولز ) )، و (( جنتس ) )ممن جرت مناقشة مؤلفاتهم في بعض مؤلفات المؤلف [1] .
والحركات الإصلاحية - في العالم العربي والإسلامي - مسؤولة عن عدم وعيها بما يجري أمام بصرها منذ مطلع هذا القرن الميلادي، حين كان الخبراء الأجانب ووكلائهم الأقارب يغلقون المؤسسات التعليمية ولا يطورونها، لقد كان المفروض أن لا تلغى مؤسسات الكتاتيب والجامعات والمعاهد الإسلامية، ولا أن يقام إلى جانبها مؤسسات حديثة علمانية، وإنما كان اللازم تطويرها، بحيث تتكامل فيها علوم غايات الحياة مع علوم وسائل الحياة، مع مراعاة التجديد في كلا النوعين من العلوم. تركت حركات الإصلاح التعليم للمؤسسات الأجنبية ومن على نمطها، ثم مضت تنظم خريجي هذه المؤسسات المغتربة في جماعات وأحزاب يتصارع أعضاؤها حسب التناقضات التي تبذرها في نفوسهم مؤسسات التعليم المغتربة، ثم يكون من نتائج هذا الصراع بعثرة المجهودات وهدر الطاقات. وانتقاص الذات عنده