الصفحة 90 من 94

بينما تجسد صفة"الجميل"الذوق الجمالي ويذكر ابن تيمية أن الصفح الجميل صفح بلا عتاب، والصبر الجميل صبر بلا شكوى والهجر الجميل هجر بلا أذي (1) . والواقع أن الأزمة التي تعاني منها المجتمعات الانسانية في الوقت الحاضر هي الفصام بين مؤسسات المبدأ الأخلاقي المتمثلة في دور العبادة ومعاهد التعليم والمساجد والمطبوعات والمنشورات الدينية والأخلاقية وبين مؤسسات الذوق الجمالي المتمثلة في معاهد الفنون والتمثيل السينمائي والآداب والنحت وغيرها حيث تكتفي الأولى بالتركيز على المبدأ الاخلاقي وتغفل عن الذوق الجمالي، وعن هذه الغفلة تنتج صور التعصب والتزمت ومضاعفاتها السلبية، وتكتفي الثانية بالتركيز على الذوق الجمالي وتطبيقاته الفنية وتنسى مزاوجته مع المبدأ الأخلاقي، وعن هذا النسيان تنتج صور الانفلات والانحلال وثقافة عدم الاحتشام. ... والحقيقة أنه لا مفر من تكامل مؤسسات المبدأ الاخلاقي مع مؤسسات الذوق الجمالي اذا اردنا شيوع سلوك الاحتشام في الفكر والعاطفة والممارسة. والسبب أن السلوك هو محصلة التفاعل بين الفرد والبيئة المحيطة في لحظة معينة. وهذا أمر يوجب على القائمين على السلوك والاحتشام مراعاة ثلاثة أمور هي: الفرد، البيئة، اللحظة الزمنية التي يحدث فيها التفاعل بين الفرد والبيئة المحيطة، وهذا يعني خطأ المقولة التي تقول: اذا صلح الفرد صلح المجتمع، وإنما لا بد من صلاح الفرد وصلاح شبكة العلاقات القائمة في البيئة المحيطة ومؤسساتها، ومن تزاوج الاثنين يولد السلوك الصالح والثقافة الصالحة والحضارة الصالحة، أو نقول لا بد من احتشام الفرد واحتشام البيئة ومن تزاوج الاثنين يولد السلوك المحتشم والحضارة المحتشمة والثقافة المحتشمة.

6 -عدم الاحتشام في المجتمعات المعاصرة وأزماته:

واما عن الامر الثاني وهو الوقوف على ما آلت إليه ممارسة عدم الاحتشام في المجتتمعات المعاصرة فان ابرز ما يميز البنية السكانية للمجتمعات المعاصرة هو انهيار الحدود بين الثقافات، وتسارع وسائل الاتصال والمواصلات ودخول البشرية في طور جديد تتصف الحياة فيه بالإقامة الموقوته، والجوار الموقوت وانقلب التجانس الثقافي والاجتماعي في المدينة الواحدة والبناية الواحدة الى"خليط"مضطرب من الثقافات والاعراف والتقاليد والقيم، ووجد الانسان المعاصر نفسه بين أكداس بشرية عارية من الهوية والانتماء والروابط إلا ما كان من روابط المصالح المتذبذبة الموقوته والشهوات الملتهبة. الأمر الذي أحال المدينة الحديثة - كما يقول عالم البيئة رينه دوبوا - الى حديقة حيوانات بشرية اقفاصها الشقق السكنية. ... لقد أفرزت هذه التغيرات المضطربة في غالب مجتمعات العالم أزمات ثلاث: الأولى اغتراب الانسان عن ذاته، والثانية انحسار مفهوم الثقافة في ما يعرف باسم ثقافة الانتاج والاستهلاك، والثالثة اتصاف السلوك الفردي والجماعي بالشذوذ وردود الفعل التلقائية (1) . ... أما عن الازمة الاولى في الفلسفات والعلوم النفسية والتربوية التي قامت عليها الحضارة الحديثة تنكرت - لهوية الانسان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت