فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 156

الشبهة الثانية: كتابة السنَّة:

يقولون: إن السنَّة لم تكتب في عهد النَّبي صلى الله عليه وسلم ولا في عهد الصحابة، وإنما الذي أمر بكتابتها هو عمر بن عبدالعزيز، بل بالغ البعض من أدعياءهم فزعم أن أول ما كُتب من السنَّة هو صحيح البخاري، وبينه وبين النَّبي صلى الله عليه وسلم مائتان وخمسون عامًا، فكيف لا تنسى السنَّة مع مرور كل هذه الأيام والسنين؟!

والدليل على ذلك: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لا تكتبوا عني، ومن كتب غير القرآن فليَمْحُه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار ) ) [1] .

الجواب:

هذا الحديث الذي يستدلون به على منع الكتابة حديث آحاد؛ فكيف تستدلون بحديث آحاد قولي وليس سنة عملية وليس متواترًا؟! هذا خلاف منهجكم؛ ائتوا لنا بحديث متواتر ينهى فيه النَّبي صلى الله عليه وسلم عن كتابة السنَّة؛ لأن هذا الحديث غير صحيح على منهجكم، إذًا فليس لديكم حديث صحيح ينهى عن كتابة السنَّة، فإما أن تردوا هذا الحديث، وعندها لا دليل على شبهتكم، وإما أن تقبلوه وتستدلوا به، وهنا يجب أن تقبلوا كل حديث على شاكلته، وبذلك بطلت حجتكم، لكننا نعرف أن الحق واحد ونتبعه، فنقول: هذا الحديث حديث صحيح لا شك في صحته، لكن الاستدلال به خطأ غير صحيح، كما أن الاستدلال به يَنُمُّ عن جهل من يثير هذه الشبهة، وأنه ما كلف نفسه عناء أن يبحث أو يقرأ في شرح هذا الحديث، بل ينم عن جهله بالسنَّة عمومًا، وأنه يسمع كلمات فيرددها ولا يدري ما وراءها.

والحق الذي لا مراء فيه والذي عليه إجماع الأمة القطعي منذ زمن الصحابة إلى عصرنا الحاضر: أن السنَّةَ كانت مكتوبة في عهد النَّبي صلى الله عليه وسلم وعهد أصحابه من بعده.

أما هذا الحديث فكان في بادئ أمر الإسلام؛ فقد خشي النَّبي صلى الله عليه وسلم على الصحابة؛ لأنهم حديثو عهد بالإسلام، فخشيَ عليهم أن يختلط القرآن مع السنَّة، ولا يستطيعوا أن يفرقوا بين هذا وذاك؛ لأن كليهما من مشكاة واحدة، ووحي من الله.

فخشي أن يختلط الأمر ولا يتمكنوا من التفريق بين القرآن والسنَّة، وأمرهم بالاعتماد على حفظ الأحاديث.

(1) مسلم كتاب الزهد والرقائق، باب التثبت في الحديث، وحكم كتابة العلم (3004) 4/ 605.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت