يقولون: إن أبا هريرة هو أكثر الصحابة رواية للحديث؛ فقد روى حوالي (5374) خمسة آلاف وأربعمائة وثلاث وسبعين حديثًا، مع أنه أسلم سنة 7 ه، ومعنى ذلك أنه صاحَبَ النَّبي صلى الله عليه وسلم ثلاث سنوات فقط.
فكيف يروي هذا العدد الكبير من الأحاديث، مع أن مَن صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم طوال عمره مثل أبي بكر وعمر، لم يروِ أحد منهم إلا القليل جدًّا من الأحاديث.
فهل يُعقَل أن يروي أبو هريرة هذا العدد من الأحاديث، مع أن واحدًا مثل أبي بكر لم يرو هذا العدد ولا نصفه، بل ولا ربعه.
مما يثير الشبهة حول رواية أبي هريرة، وأنه قد دُسَّ عليه كثير من الأحاديث؛ إما كذبًا منه، أو كذبت عليه.
الجواب:
أقول: هذه الشبهة كسابقاتها، شبهة عقلية محضة، تَنُمُّ عن أن صاحبها لم يقرأ عن السنَّة، ولا يعلم عنها شيئًا.
وقد يظن أنه جاء بما لم يأتِ به الأوائل، ولكن يَخيب ظنه عندما يعلم أن هذه الشبهة ليست جديدة، وإنما اتُّهِم بها أبو هريرة في حياته، وأجاب عنها.
فاقرأ معي ما قيل وكيف أجاب أبو هريرة رضي الله عنه عن هذا الكلام، ثم أبين لك بالدليل العقلي الذي يطمئن إليه القلب زيف هذه الشبهة المغرضة.
قال الناس: أكثر أبو هريرة من الحديث، وعابوا عليه ذلك، فعلم بمقولة هؤلاء الناس، فأجاب في كلمتين اثنتين، قال لهم: (إن الناس يقولون: أكثَرَ أبو هريرة، ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثًا، ثم يتلو: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 159، 160] ، وإن إخواننا من المهاجرين كان يَشغَلهم الصَّفْقُ بالأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يَشغَلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشبع بطنه، ويحضُرُ ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون) [1] .
(1) البخاري كتاب العلم، باب حفظ العلم (118) 1/ 39.