كما أنكم لستم تتهمون الرواة فقط، بل تتهمون الأمة الإسلامية كلها من عهد الصحابة وإلى اليوم، الأمة عامة، والعلماء خاصة؛ تتهمونهم أن هذه الأمة أمةٌ جاهلة غبية، لا عقل لها، ولا فهم، ولا علم، أمة تعيش على باطل منذ ألف وأربعمائة عام.
لأن هذه الأحاديث لم تأخذ قوتها من كون البخاري أو مسلم هو الذي كتبها وحسب، بل أخذت قوتها من تلقي الأمة جميعًا لهذه الأحاديث بالقبول، فإنكم تقولون وتصفون هذه الأمة بالجهل والغباء وسوء الفهم وسوء العقل طوال هذه الأزمان، ولم يكن فيها ذكي أو عبقري حتى جئتم أنتم بالذكاء والعقل والمنطق، وعلمتم أن هذه الأحاديث باطلة ومكذوبة على رسول الله صلى الله عليه، أما الأمة والعلماء من عهد الصحابة إلى الآن فلا عقل لهم ولا منطق عندهم.
وهذا الاتهام الموجه منكم إلى الأمة يرد عليكم؛ فأنتم الذين تردون الأحاديث بأهوائكم، واتباعًا لضلالاتكم.
هؤلاء الذين ينكرون السنَّة - كما قلت - ليس لديهم أي دليل يستندون إليه في دعواهم سوى بعض الحجج الواهية التي لا أساس لها من الصحة، وما هي إلا مجرد شبهات تزول أمام العقل السليم.
وأول هذه الشبهات دعواهم أن القرآن الكريم قد حوى كل شيء، وما ترك شيئًا إلا بيَّنه، وإننا يجب أن نصدق القرآن؛ قال الله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [الأنعام: 38] .
وقال تعالى: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89] .
وما دام القرآن قد حوى كل شيء، وبين الله فيه كل شيء، فلا حاجة إذًا إلى السنَّة المشكوك في صحة نسبتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الجواب:
هذه شبهة ضعيفة واهية، وإن علماء الإسلام منذ ظهرت هذه البدعة المنكرة قاموا بالتصدي لها والجواب عنها إجابة عقلية منطقية، لكن هؤلاء تفلسفوا وردوا على العلماء قولهم بكلمات لا قيمة لها.
فاسمح لي - أيها القارئ الكريم - أن أذكر لك جواب علماء الإسلام عن هذه الشبهة، ورد هؤلاء المبتدعة عليهم، ثم أذكر الرد العلمي السليم على بدعتهم بما لا يدع مجالًا للشك لكل ذي عقل ولب وحب لدينه ولنبيه محمد صلى الله عليه وسلم.