وكان أبو هريرة رضي الله عنه يلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل أحواله من الصباح إلى المساء، وكان يدور معه في بيوت نسائه، ويخدمه، ويغزو معه، ويحج معه.
مما يؤكد ملازمة أبي هريرة رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم، وفي نهاية الرد على هذه الشبهة إن شاء الله سنذكر طرفًا من قوة حفظ أبي هريرة، وثناء الصحابة أنفسهم عليه، وشهادتهم له بقوة الحفظ والذاكرة.
والآن نجيب على هذه الشبهة، وإجابتنا عليها من جانبين:
الجانب الأول:
جاء في كتاب (تلقيح فهوم أهل الأثر) لابن الجوزي: أن أبا هريرة روى عن النَّبي صلى الله عليه وسلم (5374) حديثًا، وقد أنكر العلامة الشيخ أحمد شاكر هذا العدد، وقال: إن العدد الصحيح الذي رواه أبو هريرة هو (3848) حديثًا [1] ، ولو سلمنا بصحة ما ذكره ابن الجوزي أن العدد (5374) فإنه أيضًا لا إشكال في ذلك.
ولنعلم أن هذا العدد الذي ذكره ابن الجوزي، قال العلامة الشيخ أحمد شاكر: إن ذلك بالمكرر [2] ، وإن الذين جمعوا هذا العدد من الأحاديث بالمكرر، وليس بحذف المكرر.
مثل حديث: (( إذا اشتد الحر فأبرِدوا عن الصلاة؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم ) ) [3] .
هذا الحديث رواه الإمام مالك في الموطأ، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة.
ومرة أخرى عن عبدالله بن يزيد، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن أبي هريرة.
ومرة أخرى عن عبدالله بن يزيد، عن محمد بن عبدالرحمن بن ثوبان، عن أبي هريرة.
فهذا الحديث رواه مالك عن أبي هريرة من ثلاث طرق بنفس المتن (أي نص الكلام واحد) ، واختلاف السند؛ أي: الرجال الذين رووه عن أبي هريرة، فيأتي من يعد الأحاديث فيجد ثلاثة أسانيد، فيعدهم ثلاثة أحاديث، وليس حديثًا واحدًا، مع أن المتن واحد، وكان يقتضي أن يعد الثلاثة حديثًا واحد.
وهكذا في سائر الأحاديث التي رواها أبو هريرة، فلو حذفنا المكرر وأبقينا على أصل المتن ما دام نصًّا واحدًا، لكانت النتيجة الحقيقية الفعلية لِما رواه أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هي هذا العدد (1579) حديثًا.
(1) الباعث الحثيث صـ 155.
(2) نفس المصدر.
(3) البخاري كتاب مواقيت الصلاة، باب الإبراد بالظهر في شدة الحر (533) 1/ 127.