صلى الله عليه وسلم: (( أرضعيه ) )، قالت: وكيف أرضعه وهو رجلٌ كبيرٌ؟! فتبسَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (( قد علِمْتُ أنه رجلٌ كبيرٌ ) ) [1] .
هذا الحديث لم ينفرد بإخراجه الإمام مسلم، بل رواه أبو داود والنسائي والبيهقي وعبدالرزاق وغيرهم.
طعنوا في هذا الحديث وقالوا: هذا الحديث لا يقبله عقل، كيف يأمر النَّبي صلى الله عليه وسلم امرأة أن ترضع رجلًا كبيرًا؟! وكيف يحرم هذا الرضاع ذلك الرجل على هذه المرأة؟! فهذا لا يقبله عقل، وأخذوا يسخرون من الحديث ويستهزؤن به.
وفي الحقيقة هذا عين الجهل؛ لأنهم لم يفهموا الحديث، ولم يعرفوا سبب وروده، ولو علموا لتبين لهم أن هذا من رحمة الإسلام وعظمته، ورحمة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم.
والجواب عن هذا الحديث من أمرين:
أولًا: هذا الحديث حالة فردية خاصة، لم ولن تتكرر، ولا يجوز تكرارها أو الاعتماد عليها؛ فهذا الحديث خاص بسالم وسهلة زوجة أبي حذيفة رضي الله عنهم؛ لذلك لم يقل به أحد من الصحابة، ولم يعمل به أحد من المسلمين، باستثناء السيدة عائشة؛ فإنها رأت جواز استخدام هذه الرخصة لمن كان في مثل حالة سالم وسهلةَ، وقد رد عليها أزواج النَّبي صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنهن، قبل هؤلاء المدَّعِين.
ثانيًا: إذا عرفنا سبب ورود الحديث زال الإشكال إن شاء الله تعالى، فنقول:
هذا الحديث كان حلًّا لمشكلة، طرأ حكم شرعي وهذه المشكلة قائمة، ولم يكن ثمة حل لها غير ذلك.
المشكلة هي أن العرب كانت عندهم عادة التبني، ولم تكن تمثل لهم مشكلة، حتى النَّبي صلى الله عليه وسلم نفسه تبنى زيد بن حارثة، وكان من ذلك أن أبا حذيفة تبنى طفلًا اسمه سالم، وظل ينسب إليه حتى كبر في السن وهو يعيش مع أبي حذيفة في بيته ويدخل عليه ويعيش معه ومع زوجته سهلة، ويعتبرها سالم أمًّا له فيدخل عليها في أي وقت شاء، ويتعامل معها على أنها أمه، ولم تكن تمثل مشكلة لأبي حذيفة، وفجأة ينزل الأمر من الله تعالى بتحريم التبني، وأن هؤلاء الأولاد ليسوا أبناءً لكم، وإنما هم إخوانكم، وبالتالي فليس له الحق أن يدخل على زوجته، أو يختلي بها، فأصبح عند سالم ومتبنيه أبي حذيفة وزوجته سهلة مشكلة، ماذا يفعل مع سالم؟ هل يطرده من البيت بعد كل هذه السنوات؟ وأين سيعيش سالم؟ وفي نفس الوقت كيف يتركه يدخل على زوجته وقد نزل تحريم ذلك، فذهبت سهلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليجد لها حلًّا لهذه المشكلة الصعبة، فأخبرها النَّبي صلى الله عليه وسلم بهذا الحل الفريد، وهي أن ترضعه فيصير ابنًا شرعيًّا لها من الرضاع.
(1) - مسلم كتاب الرضاع، باب رضاعة الكبير (1453) 2/ 514.