رحمه الله تعالى - في سنة 803 عند قدومه إلى الشام صحبة الملك الناصر فرج [1] ابن الملك الظاهر برقوق [2] في فتنة تمرلنك [3] عليه من الله تعالى ما يستحقّه. وأكرمه تمرلنك غاية الإكرام، [4] وأعاده إلى الديار المصريّة، وكنت أُكثر الاجتماع به بالقاهرة المحروسة للمودّة الحاصلة بيني وبينه، وكان يُكثر من ذكر لسان الدين بن الخطيب، ويورد من نظمه ونثره ما يشنف به الأسماع، وينعقد على استحسانه الإجماع، وتتقاصر على إدراكه الأطماع، فرحمة الله تعالى عليهما، وأزكى تحيّاته تُهدى إليهما.
ولقد كان ابن خلدون هذا من عجائب الزمان، وله من النظم والنثر ما يزري بعقود الجمان، مع الهمّة العليّة، والتبحّر في العلوم النقليّة والعقليّة، وكانت وفاته بالقاهرة المعزيّة سنة 807، سقى الله تعالى عهده، ووطّأ في الفردوس مهده. قال وكتبه الفقير إلى الله تعالى إبراهيم بن أحمد الباعوني الشافعي، غفر الله تعالى له زلله، وأصلح خلله. إنتهى.»
نفحُ الطّيب من غصن الأندلس الرطيب،
تحقيق إحسان عباس، بيروت،
دار صادر، 2004، ج 6، ص 191 - 192.
(1) الناصر فرج: (ت: 815 هـ/ 1412 م) هو ابن الملك الظاهر برقوق.
(2) برقوق: (ت: 801ھ / 1399 م) أول ملوك الجراكسة بمصر الذين سكنوا أبراج القلعة فعرفوا بالبرجية.
(3) تيمورلنك: (ت: 807 ھ/ 1404 م) ولد سنة 737 هجرية (1336 م) بالقرب من سمرقند دعاه أبوه"تيمورًا"ثم أصيبت رجله في صباه وأضحى أعرج فعرف بتيمور الأعرج"تيمورلنك". تولى حكم بلاد ما وراء النهر، واستولى على"بلخ"و"سمرقند"سنة 770 هـ/ 1369 م، وبسط سلطانه على المملكة التي كانت تخضع لأعقاب جنكيزخان وبدأ حياة الغزو. وكانت فارس في مقدمة اجتياحاته، ثم غزا العراق والجزيرة والقوقاز وأرمينية وخوارزم وتمّ له ذلك سنة (800 هـ/ 1398 م) ، وفي نفس السنة، قام بغزو الهند واستولى على دلهي وعاد إلى سمرقند، واخترق بلاد الأناضول وانحدر جنوبًا نحو الشام في أوائل سنة (803 هـ/ 1401 م) .
(4) أنظر رواية ابن عرب شاه حول لقاء ابن خلدون وتيمورلنك في كتابه"عجائب المقدور. والنصّ موجود في هذا الكتاب."