نص لقاء ابن خلدون لتيمورلنك في كتاب
«عجائب المقدور في نوائب تيمور» لابن عرب شاه.
تمهيد للنصّ:
لقد تساءل والتر جوزيف فيشل عن مدى مصداقيّة ابن عرب شاه في روايته لهذا اللقاء التاريخي بين ابن خلدون وتيمورلنك قائلا: «فمن الغريب حقّا أن تحظي قصّة ابن عرب شاه بقبول علماء الغرب من غير تمحيص لها وتدقيق نظر فيها، وإنّه لم يشكّ أحد منهم في صحّتها ولا في أمانتها طوال قرون لا سيما وأن هذا المؤرّخ لم يذكر المصادر التي سمحت بسرد أخباره وهو نفسه لم يعرف ابن خلدون مباشرة ... » [1] لكن ابن عرب شاه يعتبر معاصرا لابن خلدون ولتيمورلنك فقد ولد بدمشق سنة 791/ 1389 ونشأ بها [2] وكان شاهد عيان لحصار مدينته واقتحامها وله من العمر 11 سنة، وتمّ ترحيله إلى سمرقند عاصمة بلاد التّتار رفقة أمّه وإخوته كأسرى حرب. و يشير ابن عرب شاه في هذا المضمار إلى أن تيمورلنك قام بأسر كل الأطفال الذين يتجاوز سنّهم خمس سنوات قائلا: « ... وأسروا النساء والشباب والرجال وساقوهم في حبال لا يعلمون أين يذهبون بهم ثم تركوا الأطفال الرضّع ومن عمره أربع سنين والشيوخ الفانية والعجائز بالمدينة ... » [3] ويؤكّد السخّاوي في الضوء اللاّمع: «ثم تحول في سنة ثلاث وثمانمائة في زمن الفتنة مع اخوته وأمّهم وابن أخته ... إلى سمرقند ... ثم بمفرده إلى بلاد الخطا وأقام ببلاد ما وراء النهر» [4] ثم أتقن اللغة الفارسيّة والمغوليّة والتركيّة ثم جال في بلاد ما وراء النهر، واستقرّ لدى العثمانيين بأنقرة مدّة عشر سنين وشهد هزيمة بايزيد العثماني، سنة 804/ 1401 على يد تيمور. فإتقانه للغات المذكورة واحتكاكه المباشر بعناصر الصراع، من شأنها أن تجعل مصادره قريبة جدّا من حقيقة الأحداث التاريخيّة.
نصّ الترجمة:
« ... ولمّا أقلع السلطان [فرج] بفلك عساكره المشحون، وقع في بحر العساكر التيموريّة قاضي القضاة ولي الدين بن خلدون وكان من أعلام الأعيان، وممن قدم مع السلطان، فلما قتل السلطان وفرك، كأنه غافلا فوقع في الشرك، وكان نازلا في المدرسة العادليّة، فتوجّه هؤلاء الأعيان إليه في تدبير هذه القضيّة، فوافق فكره فكرهم،
(1) فيشل، لقاء ابن خلدون لتيمورلنك، ص 23.
(2) أنظر السخاوي، الضوء اللامع، 1/ 126 - 131، ترجمة عدد 379.
(3) ابن عرب شاه، عجائب المقدور في نوائب تيمور، تحقيق أحمد فائز الحمصي، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1986، ص 413.
(4) السخاوي، الضوء اللامع، مج 1، 2/ 126 - 131. ترجمة عدد 379.