نص ترجمة ابن خلدون في كتاب
«إنباء الغمر بأبناء العمر»
وما ذكره ابن حجر العسقلاني من أحداث لها علاقة بأستاذه.
«عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن محمد بن جابر بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن عبد الرحيم الحضرمي المغربي المالكي المعروف بابن خلدون، ولد سنة 733، وسمع من الوادياشي وغيره وقرأ القرآن على أبي عبد الله بن محمد بن سعد بن برّال إفرادا وجمعا، وأخذ العربية عن أبيه وأبي عبد الله محمد الحصائري وأبي عبد الله بن بحر، وأخذ الفقه عن محمد بن عبد الله الجياني وقاضي الجماعة ابن عبد السلام، وأخذ عن عبد المهيمن الحضرمي ومحمد بن إبراهيم الإربلي [الآبلي] شيخ المعقول بالمغرب، وبرع في العلوم وتقدم في الفنون ومهر في الأدب والكتابة، وولي كتابة السرّ بمدينة فاس لأبي عنان ولأخيه أبي سالم ورحل إلى غرناطة في الرسلية سنة تسع وستين، وكان ولي بتونس كتابة العلامة، ثم ولي الكتابة بفاس، ثم اعتقل سنة ثمان وخمسين نحو عامين، ودخل بجاية بمراسلة صاحبها فدبر أموره، ثم رحل بعد أن مات إلى تلمسان باستدعاء صاحبها فلم يقم بها، ثم استدعاه عبد العزيز [1] بفاس فمات قبل قدومه [2] فقبض عليه، ثم تخلص فسار إلى مراكش، وتنقلت به الأحوال إلى أن رجع إلى تونس سنة ثمانين فأكرمه سلطانها فسعوا به عند السلطان إلى أن وجد غفلة ففر إلى المشرق، وذلك في شعبان سنة أربع وثمانين، ثم ولي قضاء المالكية بالقاهرة، ثم عزل وولي مشيخة البيبرسية [3] ثم عزل عنها ثم ولي القضاء مرارا كان آخرها في رمضان من هذه السنة فباشره ثمانية أيام فأدركه أجله، وكان ممن رافق العسكر إلى تمرلنك وهو مفصول عن القضاء، واجتمع بتمرلنك فأعجبه كلامه وبلاغته وحسن ترسله إلى أن خلصه الله من يده، وصنف التاريخ الكبير في سبع مجلدات ضخمة ظهرت فيه فضائله وأبان فيه عن براعته، ولم
(1) أبو فارس عبد العزيز بن علي المريني: 767 - 774/ 1366 - 1372.
(2) قام أبو فارس باستدعاء ابن خلدون تعبيرا له عن رضاه بالخدمات التي قدّمها له، في ربيع الأوّل سنة 774 (سبتمبر 1372) «وأقمت منتظرا أوامره حتى جاءني استدعاؤه إلى حضرته فرحلت إليه.» (7/ 591) « ... وارتحلت من بسكرة بالأهل والولد، في يوم المولد الكريم سنة أربع وسبعين وسبعمائة (11 سبتمبر 1372) متوجها إلى السلطان» (7/ 632 - 633) وقبل وصوله إلى تلمسان، بلغه وفاة أبي فارس عبد العزيز فلم يتمكّن من مواصلة طريقه.
(3) خانقاة بيبرس: يصفها المقريزي قائلا: «أجلّ خانقاة بالقاهرة بنيانا وأوسعها مقدارا وأتقنها صنعة تضمّ حوالي 400 صوفي، وبالرّباط مائة من الجند وأبناء الناس الذين قعد بهم الوقت ... » [الخطط، 3/ 574 - 575] كما يقول عنها ابن خلدون: «وشيّد بيبرس هذا أيام سلطانه داخل باب النصر من أعظم المصانع وأحفلها، وأوفرها ريعا، وأكثرها أوقافا، وعين مشيختها، ونظر لمن يستعد له بشرطه في وقفه، فكان رزق النظر فيها والمشيخة واسعا لمن يتولاه، وكان ناظرها يومئذ شرف الدين الأشقر إمام السلطان الظاهر. فتوفي عند منصرفي من قضاء الفرض، فولاني السلطان مكانه توسعة علي، وإحسانا إلي، وأقمت على ذلك إلى أن وقعت فتنة الناصري.» [العبر، 7/ 691.]