عبد الرحمان بن خلدون: إنه الاسم الذي ملأ الدنيا وشغل الباحثين شرقا وغربا. مفكّر، كاتب بلاط، فقيه، شاعر، سياسيٌّ، ديبلوماسيٌّ، مدرّسٌ، مؤرّخ، فيلسوف، رحّالة، قاضٍ ... «شكّل مثالا رائعا على فشل فكر سابق لأوانه، ومتقدّم على الأطر الاجتماعيّة الثقافيّة المهيمنة.» [1] ويبرز فشله على كل المستويات المذكورة عندما ندرس مسيرة حياته التي خطّها بقلمه من خلال"التعريف". [2] لكن هذا لن يكون كافيا لسبر أغوار فكره والإحاطة بعصره، ولا يمكن تفسير أسباب الفشل عندما نتجاهل مسار حياته؛ فالجميع كتب عنها إمّا بعاطفة مستبدّة أو بانتقاد لاذع، أو بسطحيّة مبتذلة تندرج في صلب التهافت على التراث، ونادرا بموضوعيّة تحاول الكشف عن مدى تأثير الأحداث الشخصيّة في ابن خلدون الإنسان.
امتدّت حياته على مدى أربعة وسبعين سنة شمسيّة (1332 - 1406 م) أو ستة وسبعين سنة قمريّة (732 - 808ھ) . ولد بتونس وتوفّي بمصر، بدأ كاتبا للعلامة [3] لدى السلطان الحفصي بإفريقيّة [4] وانتهى إلى منصب قاضي قضاة المالكيّة بمصر؛ وبين وظيفته الأولى والأخيرة تولّى كتابة السرّ [5] وخطّة المظالم [6] وصار وزيرا
(1) محمد أركون، الإسلام والأخلاق والسياسة، منشورات اليونسكو ومركز الإنماء القومي، باريس/بيروت، 1990، ص 141.
(2) كتب ابن خلدون البعض ن مذكّراته الشخصيّة وأقحمها في الجزء السابع من"العبر"، وقد قامت بعض دور النشر بإصدارها عن حدة تحت عنوان: التعريف بابن خلدون ورحلته غربا وشرقا، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، ط 1، 1951، 459 ص، عارضه بأصوله وعلّق على حواشيه محمد بن تاويت الطنجي.
(3) العلامة: يعرّفها ابن خلدون قائلا: « ... وهي الحمد لله و الشكر لله بالقلم الغليظ ما بين البسملة وما بعدها من مخاطبة أو مرسوم.» (7/ 532) .
(4) أبو إسحاق إبراهيم الثاني (751 - 758 هـ / 1350 - 1359 م)
(5) كتابة السرّ: يتولاها في العادة رئيس مصلحة الكتابة السلطانية الذي يطلق عليه أحيانا صاحب العلامة والإنشاء. أنظر روبار برنش?يك، تاريخ إفريقية في العهد الحفصي من القرن 13 إلى نهاية القرن 15، ترجمة حمادي الساحلي، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1988، ج 2، ص 61. ويحدّدها ابن خلدون بـ"من يجيد الترسيل ويؤتمن على الأسرار" (1/ 300)
(6) خطّة المظالم: هيئة قضائية للتخفيف من تجاوزات بعض الإداريين. أنظر روبار برانشفيك، تاريخ إفريقية في العهد الحفصي، 2/ 145.