فملّكوه في ذلك أمرهم، وما وسعهم إلاّ استصحابه معهم، وكان مالكي المذهب والمنظر، أصمعي [1] الرواية والمخبر، فتوجّه معهم بعمامة خفيفة وهيئة ظريفة وبرنس كهو رقيق الحاشية، من دامس الليل الناشئة، فقدموه بين أيديهم، ورضوا بأقواله وأفعاله لهم وعليهم. [2]
وحين دخلوا عليه، وقفوا بين يديه، واستمرّوا واقفين، واجمين خائفين، حتى سمح بجلوسهم، وتسكين نفوسهم، ثم هشّ إليهم ومنّ، ضاحكا عليهم، وجعل يراقب أحوالهم ويسبر بمسبار عقله أقوالهم وأفعالهم.
ولمّا رأى شكل ابن خلدون لشكلهم مباينا، قال: هذا الرجل ليس من هاهنا؛ فانفتح للمقال مجال، فبسط
(1) نسبة إلى الأصمعي: (122 - 216 هـ / 740 - 831 م) عبد الملك بن قريب بن علي بن أصمع الباهلي، أبو سعيد الأصمعي: راوية العرب، وأحد أئمة العلم باللغة والشعر والبلدان. نسبته إلى جده أصمع. ومولده ووفاته في البصرة. كان كثير التطواف في البوادي، يقتبس علومها ويتلقى وأخبارها، ويتحف بها الخلفاء، فيكافأ عليها.
(2) يبدو لنا أنّه من الصعب التسليم بشهادة ابن عرب شاه في أن القضاة والأعيان المذكورين آنفا قد قدّموا ابن خلدون عليهم وقبلوا بأقواله وأفعاله «لهم وعليهم» ، لأن ابن قاضي شهبة والمقريزي والعسقلاني وابن تغري بردي وابن إيّاس قد أجمعوا على الدور الرئيسي الذي لعبه القاضي ابن مفلح الحنبلي [ابن مفلح: (ت: 803 هـ/ 1401 م) «إبراهيم بن محمد الحنبلي تقي الدين ... ولد سنة (751) وكان بارعا عالما بمذهبه وأفتى وجمع وشاع اسمه واشتهر ذكره، ولما طرق اللنك الشام كان ممن تأخر بدمشق فخرج إلى اللنك وسعى في الصلح وتشبه بابن تيمية مع غازان ثم رجع إلى دمشق وقرر مع أهلها أمر الصلح فلم يتم لم أمر وكثر ترداده إلى اللنك ليدفع عن المسلمين فلم يجب سؤاله وضعف عند رجوعهم، ولقيته وسمعت منه قليلا ومات بعد الفتنة بأرض البقاع في أواخر شعبان (سنة 803) [إنباء الغمر بأبناء العمر، مج 2، 4/ 247 - 248.] كما ترجم له ابن تغري بردي في المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي، 1/ 151، ترجمة عدد 76. [طبعة 1، عالم الكتب، مطبعة دار الكتب المصرية، 1956، تحقيق أحمد يوسف نجاتي.] ويشير المقريزي إلى أنه «كان فقيها واعظا، إلاّ أنه قام في مصالحة الطاغية تيمور فلم ينجح ولم يُحمد.» السلوك، 6/ 70].
كان ابن مفلح أوّل من أُرْخِيَ من سور المدينة إلى الأرض، إذ «وقع اختيار الناس على إرسال قاض القضاة تقي الدين إبراهيم بن محمد بن مفلح الحنبلي، فأرخي من السور واجتمع بتمرلنك وعاد إلى دمشق وقد خدعه تمرلنك وتلطّف معه في القول ... » [السلوك، 6/ 50.] وتوجّه إلى تيمور واجتمع به وفاوضه في تسليم المدينة وطلب الأمان لا سيما وان هذا القاضي «طلق اللسان يعرف بالتركي وباللسان العجمي فأرخوه من أعلى السور بسرياق ومعه خمس أنفس من أعيان دمشق.» [بدائع الزهور، 1/ 410 - 411.] وعند عودته من لقاء تيمورلنك سعى ابن مفلح إلى تخذيل المقاومين والسكّان شارحا «عن تمّرلنك محاسن كثيرة ... ويرغّبهم في طاعته فصار أهل البلد فرقتين، فرقة ترى ما رآه ابن مفلح وفرقة ترى محاربته ... وكان أكثر أهل البلد يرون مخالفة ابن مفلح ولم يرجعوا عن قتال تمرلنك وهم الجمّ الغفير من أهل دمشق» [نفس المصدر.] لهذه الأسباب يبدو أن موقف ابن خلدون كان ثانويّا، ولم يكن له أيّ تأثير على مسار الأحداث عند بدايتها، أو خلال المفاوضات مع تيمورلنك. وهذا الاستنتاج هو عكس ما ذهب إليه محمد عبد الله عنان الذي يقول « ... وابن خلدون صريح في روايته في أنّه هو المفاوض والوسيط في عقد المهادنة بين الفاتح وأهل دمشق ... وأنّه كان ممثّل الرؤساء والقضاة لدى تيمورلنك، ولا شكّ عندنا في روايته.» [محمد عبد الله عنان، ابن خلدون، حياته وتراثه الفكري، القاهرة، المكتبة التجارية الكبرى، 1953، ص 90.]