لسانه وسيذكر ما قال، ثم طووا بساط الكلام ونشروا سماط الطعام، فكوّموا تلالا من اللحم السليق، ووضعوا كل ما به يليق، فبعض تعفّف عن ذلك تنزّها، وبعض تشاغل عن الأكل بالحديث ولها، وبعض مدّ يده وأكل وما جبُن في مصاف الالتهام ولا نكل، وإلى الأكل أرشدهم وناداهم وأنشدهم:
كلوا أكل من إن عاش أخبر أهله ... • ... وإن مات يلق الله وهو بطين
وكان من جملة الآكلين قاضي القضاة ولي الدين. وكل ذلك وتيمور يرمقهم وعينه الخزراء تسرقهم، وكان ابن خلدون أيضا يصوب نحو تيمور الحدق، فإذا نظر إليه أطرق، وإذا ولّى عنه رمق، ثم نادى وقال بصوت عال: يا مولانا الأمير، الحمد لله العليّ الكبير، لقد شرفت بحضوري ملوك الأنام، وأحييت بتواريخي ما مات لهم من أيّام. ورأيت من ملوك الغرب فلانا وفلانا، وحضرت كذا وكذا سلطانا، وشهدت مشارق الأرض ومغاربها، وخالطت في كل بقعة أميرها ونائبها، ولكن لله المِنّة، إذ امتدّ بي زماني ومنّ الله عليّ بأن أحياني حتى رأيت من هو المُلك على الحقيقة والمسلك شريعة السلطنة على الطريقة، فإن كان طعام الملوك يؤكل لدفع التلف، فطعام مولانا الأمير يؤكل لذلك ولنيل الفخر والشرف.
فاهتزّ تيمور عُجبا، وكاد يرقص طربا وأقبل يوجّه الخطاب إليه وعوّل في ذلك دون الكلّ عليه، وسأله عن ملوك الغرب وأخبارها، وأيّام دولها وأثارها، فقصّ عليه من ذلك ما خرع عقله وخلبه، وجلب لبّه وسلبه، وكان تيمور في سير الملوك والأمم أمة، وأبا التاريخ شرقا وغربا وأمة، وسيذكر لهذه المعان بديع الزمان.»
ابن عرب شاه: عجائب المقدور في نوائب تيمور.
مؤسسة الرسالة، بيروت، 1986، ص 252 - 255.