فَقَالُوا: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ، قَالُوا: أَهْرِقْ هَذِهِ القِلاَلَ يَا أَنَسُ، قَالَ: فَمَا سَأَلُوا عَنْهَا وَلاَ رَاجَعُوهَا بَعْدَ خَبَرِ الرَّجُلِ». [1]
في هذا الحديث دليلٌ عَلَى قبولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ والِاعْتِمَادِ عليه، فإن أَبَا طَلْحَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ومن معه من الصحابة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم إنما امتنعوا عن شرب الخمر وأراقوها لعلمهم أن خبر الواحد يجب قبوله، وأنه يُفِيدُهُ الْعِلْمَ والعملَ.
قال ابن القيم: وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ أَقْدَمَ عَلَى قَبُولِ خَبَرِ التَّحْرِيمِ حَيْثُ ثَبَتَ بِهِ التَّحْرِيمُ لَمَّا كَانَ حَلَالًا، وَهُوَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَسْمَعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شِفَاهًا، وَأَكَّدَ ذَلِكَ الْقَبُولَ بِإِتْلَافِ الْإِنَاءِ وَمَا فِيهِ، وَهُوَ مَالٌ، وَمَا كَانَ لِيُقْدِمَ عَلَى إِتْلَافِ الْمَالِ بِخَبَرِ مَنْ لَا يُفِيدُهُ خَبَرُهُ الْعِلْمَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى جَنْبِهِ، فَقَامَ خَبَرُ ذَلِكَ الْأَتِي عِنْدَهُ وَعِنْدَ مَنْ مَعَهُ مَقَامَ السَّمَاعِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَيْثُ لَمْ يَشُكُّوا وَلَمْ يَرْتَابُوا فِي صِدْقِهِ، وَالْمُتَكَلِّفُونَ يَقُولُونَ إِنَّ مِثْلَ ذَلِكَ الْخَبَرِ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ لَا بِقَرِينَةٍ وَلَا بِغَيْرِ قَرِينَةٍ. [2]
الدليل الثالث عشر:
عَنْ نَاشِرَةَ بْنِ سُمَيٍّ الْيَزَنِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ فِي يَوْمِ الْجَابِيَةِ، وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ: إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَنِي خَازِنًا لِهَذَا الْمَالِ، وَقَاسِمَهُ لَهُ، ثُمَّ قَالَ: بَلِ اللهُ يَقْسِمُهُ، وَأَنَا بَادِئٌ بِأَهْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ أَشْرَفِهِمْ، فَفَرَضَ لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ عَشْرَةَ آلَافٍ إِلَّا جُوَيْرِيَةَ، وَصَفِيَّةَ، ومَيْمُونَةَ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْدِلُ بَيْنَنَا، فَعَدَلَ بَيْنَهُنَّ عُمَرُ. [3]
في هذا الحديث دليلٌ عَلَى قبولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ والِاعْتِمَادِ عليه، فإن عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لما فَرَضَ لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ عَشْرَةَ آلَافٍ إِلَّا جُوَيْرِيَةَ، وَصَفِيَّةَ، ومَيْمُونَةَ، قَالَتْ له عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: إِنَّ
(1) - رواه البخاري- كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ، بَابُ قَوْلِهِ: {إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} [المائدة: 90] ، حديث: 4617، ومسلم- كتاب الْأَشْرِبَةِ، بَابُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَبَيَانِ أَنَّهَا تَكُونُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ، وَمِنَ التَّمْرِ وَالْبُسْرِ وَالزَّبِيبِ، وَغَيْرِهَا مِمَّا يُسْكِرُ، حديث: 1980
(2) - مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة - (ص: 583)
(3) - رواه أحمد - حديث: 15905 بسند رجاله ثقات