يستدل أصحاب هذا المذهب بأن العقائد لا تثبت إلا بنصوص قطعية الثبوت وأحاديث الآحاد ظنية عندهم فلا يؤخذ بها في العقائد وإن كان يجوز الأخذ بها في العبادات والأحكام العملية.
قال القاضي عبد الجبار المعتزلي عن خبر الواحد: (فأما قبوله فيما طريقه الاعتقادات فلا) . [1]
وقال الخطيب البغدادي رَحِمَهُ اللَّهُ: بَابُ ذِكْرِ مَا يُقْبَلُ فِيهِ خَبَرُ الْوَاحِدِ وَمَا لَا يُقْبَلُ فِيهِ خَبَرُ الْوَاحِدِ لَا يُقْبَلُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَبْوَابِ الدِّينِ الْمَأْخُوذِ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ الْعِلْمُ بِهَا, وَالْقَطْعُ عَلَيْهَا, وَالْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ الْخَبَرَ قَوْلٌ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَبْعَدَ مِنَ الْعِلْمِ بِمَضْمُونِهِ, فَأَمَّا مَا عَدَا ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ الَّتِي لَمْ يُوجَبْ عَلَيْنَا الْعِلْمُ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَّرَهَا, وَأَخْبَرَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى بِهَا, فَإِنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ فِيهَا مَقْبُولٌ, وَالْعَمَلَ بِهِ وَاجِبٌ, وَيَكُونُ مَا وَرَدَ فِيهِ شرْعًا لِسَائِرِ الْمُكَلَّفِينَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ, وَذَلِكَ نَحْوُ مَا وَرَدَ فِي الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ وَهِلَالِ رَمَضَانَ وَشَوَّالَ وَأَحْكَامِ الطَّلَاقِ وَالْعِتَاقِ وَالْحَجِّ وَالزَّكَوَاتِ وَالْمَوَارِيثِ وَالْبِيَاعَاتِ وَالطَّهَارَةِ وَالصَّلَوَاتِ وَتَحْرِيمِ الْمَحْظُورَاتِ, وَلَا يُقْبَلُ خَبَرُ الْوَاحِدِ فِي مُنَافَاةِ حُكْمِ الْعَقْلِ وَحُكْمِ الْقُرْآنِ الثَّابِتِ الْمُحْكَمِ, وَالسُّنَّةِ الْمَعْلُومَةِ, وَالْفِعْلِ الْجَارِي مَجْرَى السُّنَّةِ, وَكُلِّ دَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ, وَإِنَّمَا يُقْبَلُ بِهِ فِيمَا لَا يُقْطَعُ بِهِ, مِمَّا يَجُوزُ وُرُودُ التَّعَبُّدِ بِهِ كَالْأَحْكَامِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهَا، وَمَا أَشْبَهَهَا مِمَّا لَمْ نَذْكُرْهُ. [2]
وقال ابن برهان: (خبر الواحد لا يفيد العلم خلافا لأصحاب الحديث ولا تثبت به العقائد) . [3]
وقال الآمدي رَحِمَهُ اللَّهُ: فَلَوْ كَانَ خَبَرُ الْوَاحِدِ حُجَّةً فِي الْإِخْبَارِ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، لَكَانَ حُجَّةً فِي تَعْرِيفِ التَّوْحِيدِ وَالرِّسَالَةِ وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ. [4]
ونقول: لا شك أن دعوى الْإِجْمَاعِ التي اطلقها الآمدي على أن خبر الآحاد ليس حُجَّةً فِي تَعْرِيفِ التَّوْحِيدِ وَالرِّسَالَةِ دعوى باطلة لا تستند على أساس بل الخلاف ثابت في ذلك وَالنُّصُوصُ تَشْهَدُ لِمَنْ قَالَ بِأَنَّهُ حُجَّةٌ فِي إِثْبَاتِ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ وَفُرُوعِهَا.
(1) - شرح الأصول الخمسة - 769
(2) - الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي - (ص: 432)
(3) - الوصول إلى علم الأصول لابن برهان - 1/ 163
(4) - الإحكام في أصول الأحكام للآمدي - (2/ 63، 64)