فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 150

عَزْمِ الرَّدِّ أَوْ أَظْهَرَ التَّوَقُّفَ لِئَلَّا يَكْثُرَ الْإِقْدَامُ عَلَى الرِّوَايَةِ عَنْ تَسَاهُلٍ، وَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ إذْ ثَبَتَ مِنْهُ قَطْعًا قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَتَرْكُ الْإِنْكَارِ عَلَى الْقَائِلِينَ بِهِ. [1]

والحاصل أنا لا نجد في نص من النصوص أن أبا بكر طلب مِمَّنْ حدَّثه بحديث عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ راويًا آخر إلا نص الجدة، وهذا يحتمل أن يكون من أبي بكر زيادة في الاحتياط والتثبت فقط، خصوصًا وأن توريث الجدة إثبات حكم لم يرد في القرآن فكان تشريعًا لا بد فيه من الاحتياط والتوقي، لا سيما أن أكثر أحكام المواريث شرعت بنصوص من القرآن لا أن ذلك خطة دائبة له وطريقة درج عليها أن لا يقبل حَدِيثًا إلا إذا رواه اثنان. [2]

وأما الجواب عن الدليل الرابع والخامس وهو حديث أَبِي مُوسَى فنقول إنما قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (لَتُقِيمَنَّ عَلَى هَذَا بَيِّنَةً أَوْ لَأَفْعَلَنَّ) . احْتِيَاطًا لِحِفْظِ السُّنَنِ، فإن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يَرَى قَبُولَ خَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ بدليل قَبُولِهِ رِوَايَة عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنَ الْمَجُوسِ، وقَبُولِهِ رِوَايَة عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ لَمَّا جَاءَ سَرْغَ وَبَلَغَهُ أَنَّ الوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّأْمِ، وقَبُولِهِ رِوَايَة الضَّحَّاكِ بْنِ سُفْيَانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرِّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضِّبَابِيِّ مِنْ دِيَتِهِ، وقَبُولِهِ رِوَايَة حَمَلِ بْنِ مَالِكٍ في دية الجَنِينِ، وقَبُولِهِ رِوَايَة الثَّقَفِيُّ الذي اسْتَفْتَاه في امَرْأَةٍ زَارَتِ الْبَيْتَ يَوْمَ النَّحْرِ، أَلَهَا أَنْ تَنْفِرَ قَبْلَ أَنْ تَطْهُرَ، وقَبُولِهِ رِوَايَة سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ في المَسَحِ عَلَى الخُفَّيْنِ، وسيأتي تفصيل ذلك قريبًا إن شاء الله.

قال الشافعي رحمه الله: أَمَّا خَبَرُ أَبِي مُوسَى فَإِلَى الاحْتِيَاطِ، لأَنَّ أَبَا مُوسَى ثِقَةٌ أَمِينٌ عِنْدَهُ إِنْ شَاءَ اللهُ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا دَلَّ عَلَىَ ذَلِكَ؟ قُلْنَا: قَدْ رَوَاهُ مَالِكٌ بْنِ أَنَسٍ عَنْ رَبِيعَةَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَائِهِمْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى، وَأَنَّ عُمَرَ قَالَ لأَبِي مُوسَى: «أَمَا إِنِّي لَمْ أَتَّهِمك، وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَتَقَوَّلَ النَّاسُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . [3]

وَقال الخطيب البغدادي: لَمْ يَطْلُبْ عُمَرُ مِنْ أَبِي مُوسَى رَجُلًا يَشْهَدُ مَعَهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى قَبُولَ خَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ. وَكَيْفَ يَقُولُ ذِلِكَ، وَهُوَ يَقْبَلُ رِوَايَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنَ الْمَجُوسِ، وَيَعْمَلُ بِهِ، وَلَمْ يَرْوِهِ غَيْرُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ وَكَذَلِكَ حَدِيثُ الضَّحَّاكِ بْنِ سُفْيَانَ الْكِلَابِيِّ فِي تَوْرِيثِ امْرَأَةِ أَشْيَمَ الضِّبَابِيِّ، مِنْ

(1) - المستصفى - (ص: 122)

(2) - السنة ومكانتها من التشريع- (1/ 71)

(3) - الرسالة - ص: 434

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت