المذهب الخامس:
عدم جواز الأخذ بأحاديث الآحاد في العقائد والغيبيات.
يستدل أصحاب هذا المذهب بأن العقائد لا تثبت إلا بنصوص قطعية الثبوت وأحاديث الآحاد ظنية عندهم فلا يؤخذ بها في العقائد وإن كان يجوز الأخذ بها في العبادات والأحكام العملية.
وممن قال بهذا القول من المتقدمين القاضي عبد الجبار المعتزلي والخطيب البغدادي وابن برهان والآمدي وأبو بكر السمرقندي، وجمال الدين الإسنوي، والبزدوي، ومن المتأخرين الشيخ محمود شلتوت والشيخ عبد الوهاب النجار والدكتور محمد توفيق صدقي وغيرهما.
قال القاضي عبد الجبار المعتزلي عن خبر الواحد: (فأما قبوله فيما طريقه الاعتقادات فلا) . [1]
قال الخطيب البغدادي رحمه الله: بَابُ ذِكْرِ مَا يُقْبَلُ فِيهِ خَبَرُ الْوَاحِدِ وَمَا لَا يُقْبَلُ فِيهِ خَبَرُ الْوَاحِدِ لَا يُقْبَلُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَبْوَابِ الدِّينِ الْمَأْخُوذِ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ الْعِلْمُ بِهَا, وَالْقَطْعُ عَلَيْهَا, وَالْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ الْخَبَرَ قَوْلٌ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَبْعَدَ مِنَ الْعِلْمِ بِمَضْمُونِهِ, فَأَمَّا مَا عَدَا ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ الَّتِي لَمْ يُوجَبْ عَلَيْنَا الْعِلْمُ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَّرَهَا, وَأَخْبَرَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى بِهَا, فَإِنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ فِيهَا مَقْبُولٌ, وَالْعَمَلَ بِهِ وَاجِبٌ, وَيَكُونُ مَا وَرَدَ فِيهِ شرْعًا لِسَائِرِ الْمُكَلَّفِينَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ, وَذَلِكَ نَحْوُ مَا وَرَدَ فِي الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ وَهِلَالِ رَمَضَانَ وَشَوَّالَ وَأَحْكَامِ الطَّلَاقِ وَالْعِتَاقِ وَالْحَجِّ وَالزَّكَوَاتِ وَالْمَوَارِيثِ وَالْبِيَاعَاتِ وَالطَّهَارَةِ وَالصَّلَوَاتِ وَتَحْرِيمِ الْمَحْظُورَاتِ, وَلَا يُقْبَلُ خَبَرُ الْوَاحِدِ فِي مُنَافَاةِ حُكْمِ الْعَقْلِ وَحُكْمِ الْقُرْآنِ الثَّابِتِ الْمُحْكَمِ, وَالسُّنَّةِ الْمَعْلُومَةِ, وَالْفِعْلِ الْجَارِي مَجْرَى السُّنَّةِ, وَكُلِّ دَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ, وَإِنَّمَا يُقْبَلُ بِهِ فِيمَا لَا يُقْطَعُ بِهِ, مِمَّا يَجُوزُ وُرُودُ التَّعَبُّدِ بِهِ كَالْأَحْكَامِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهَا، وَمَا أَشْبَهَهَا مِمَّا لَمْ نَذْكُرْهُ. [2]
وقال ابن برهان: (خبر الواحد لا يفيد العلم خلافًا لأصحاب الحديث ولا تثبت به العقائد) . [3]
(1) - شرح الأصول الخمسة - 769
(2) - الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي - (ص: 432)
(3) - الوصول إلى علم الأصول لابن برهان - 1/ 163