وقال الآمدي رحمه الله: سَلَّمْنَا صِحَّةَ التَّنْفِيذِ بِالْأَخْبَارِ الدَّالَّةِ عَلَى الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَتَعْرِيفِهِمْ إِيَّاهَا، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي ذَلِكَ حُجَّةً، بَلْ جَازَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِفَائِدَةِ حُصُولِ الْعِلْمِ لِلْمَبْعُوثِ إِلَيْهِمْ بِمَا تَوَاتَرَ بِضَمِّ خَبَرٍ غَيْرِ ذَلِكَ الْوَاحِدِ إِلَيْهِ.
وَمَعَ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ، فَلَا يَثْبُتُ كَوْنُ خَبَرِ الْوَاحِدِ حُجَّةً فِيمَا نَحْنُ فِيهِ.
وَقَدْ أُورِدَ عَلَى هَذِهِ الْحُجَّةِ سُؤَالَانِ آخَرَانِ لَا وَجْهَ لَهُمَا:
الْأَوَّلُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا أَنَّهُ كَانَ يُنْفِذُ الْآحَادَ لِتَبْلِيغِ الْأَخْبَارِ، كَانَ يُنْفِذُهُمْ لِتَعْرِيفِ وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَعْرِيفِ الرِّسَالَةِ.
فَلَوْ كَانَ خَبَرُ الْوَاحِدِ حُجَّةً فِي الْإِخْبَارِ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، لَكَانَ حُجَّةً فِي تَعْرِيفِ التَّوْحِيدِ وَالرِّسَالَةِ وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ.
الثَّانِي: أَنَّ مِنَ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ تَنْفِيذُ الْآحَادِ بِالْإِخْبَارِ عَنْ أَحْكَامٍ شَرْعِيَّةٍ كَانَتْ مَعْلُومَةً لِلْمَبْعُوثِ لَهُمْ قَبْلَ إِرْسَالِ ذَلِكَ الْوَاحِدِ بِهَا، كَمَا أَنَّهُمْ عَلِمُوا وُجُوبَ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، فَهَلْ إِرْسَالُ ذَلِكَ الْوَاحِدِ إِلَيْهِمْ عَلَى أَصْلِكُمْ.
وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّ إِنْفَاذَ الْآحَادِ لِتَعْرِيفِ التَّوْحِيدِ وَالرِّسَالَةِ لَمْ يَكُنْ وَاجِبَ الْقَبُولِ، لِكَوْنِهِ خَبَرَ وَاحِدٍ، بَلْ إِنَّمَا كَانَ وَاجِبَ الْقَبُولِ مِنْ جِهَةِ مَا يُخْبِرُهُمْ بِهِ مِنَ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ، وَيُعَرِّفُهُمْ مِنَ الدَّلَائِلِ الْيَقِينِيَّةِ الَّتِي تَشْهَدُ بِصِحَّتِهَا عُقُولُهُمْ وَلَا كَذَلِكَ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ مِنَ الْأَخْبَارِ الدَّالَّةِ عَلَى الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ. [1]
ولا شك أن دعوى الْإِجْمَاعِ التي أطلقها الآمدي على أن خبر الآحاد ليس حُجَّةً فِي تَعْرِيفِ التَّوْحِيدِ وَالرِّسَالَةِ دعوى باطلة لا تستند على أساس بل الخلاف ثابت في ذلك وَالنُّصُوصُ تَشْهَدُ لِمَنْ قَالَ بِأَنَّهُ حُجَّةٌ فِي إِثْبَاتِ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ وَفُرُوعِهَا، كما سيأتي بيان ذلك قريبا إن شاء الله تعالى.
(1) - الإحكام في أصول الأحكام للآمدي - (2/ 63، 64)