عمد إلى الذخائر البشرية وهي أكداس من المواد الخام لا يعرف أحد غناءها، ولا يعرف محلها وقد أضاعتها الجاهلية والكفر والإخلاد إلى الأرض فأوجد فيها بإذن الله الإيمان والعقيدة وبعث فيها الروح الجديدة، وأثار من دفائنها وأشعل مواهبها، ثم وضع كل واحد في محله فكأنما خلق له، وكأنما كان المكان شاغرًا لم يزل ينتظره ويتطلع إليه، وكأنما كان جمادًا فتحول جسمًا ناميًا وإنسانًا متصرفًا وكأنما كان ميتًا لا يتحرك فعاد حيًا يملي على العالم إرادته وكأنما كان أعمى لا يبصر الطريق فأصبح قائدًا بصيرًا يقود الأمم: أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" [الأنعام: 122] ."
عمد إلى الأمة العربية الضائعة وإلى أناس من غيرها فما لبث العالم أن رأى منهم نوابغ كانوا من عجائب الدهر وسوانح التاريخ، فأصبح عمر الذي كان يرعى الإبل لأبيه الخطاب وينهره وكان من أوساط قريش جلادة وصرامة، ولا يتبوأ منها المكانة العليا، ولا يحسب له أقرانه حسابًا كبيرًا، إذا به يفجأ العالم بعبقريته وعصاميته [1] ، ويدحر كسرى وقيصر عن عروشهما ويؤسس دولة إسلامية تجمع بين ممتلكاتهما وتفوقهما في الإدارة وحسن النظام فضلًا عن الورع والتقوى والعدل الذي لا يزال فيه المثل السائر.
(1) رحم الله أبا الحسن لو قدم الإيمان واليقين في قلب عمر لكان خيرًا وأولى من عبقريته أولًا.