فهرس الكتاب

الصفحة 146 من 231

{وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ} [الروم: 55] .

بل إنه ليرى ببصيرتِه النيِّرة، وعقله السليم المتَّزِن بميزانِ الرشدِ والحكمةِ أن الذين أَتقَنُوا الزراعةَ والصناعةَ، وبرّزوا فيها كل التبريز، وجَنَوا منها أوفرَ الثمرات المادَّية، لم تُفِدْهم في سعادتِهم وأمنِهم وطمأنينةِ حياتِهم وطِيب عَيشِهم شيئًا، بل كانت هي سببَ شقائهم الدائمِ، ونكدِ عيشهم المستمرِّ الذي لا ينقطعُ؛ فلا يَخرُجُون من نكدٍ إلا إلى نكدٍ، ولا يتخلَّصون من شقاءٍ وويلاتٍ إلا إلى شقاءٍ وويلاتٍ هي أشدُّ وأَنْكَى تدميرًا لهم ولمن حولهم؛ ذلك لأنهم لم يَفقَهُوا سنن الله كلَّها، ولم يَعرَفُوا منها إلا ظاهرًا من الحياة الدنيا، وقشورًا كانت الحطبَ والوَقُود الذي أحرقهم الله به، وعذَّبهم العذابَ الأدنى، ولَعَذابُ الآخرةِ أشدُّ، لو كانوا يعلمون، فإنهم لم يَعقِلُوا عن الله حكمَه، ولم يُصغُوا إلى آياتِ اللهِ وهي تناديهم: إن العليمَ الحكيمَ محالٌ على علمه وحكمته أن يَخلُقَ هذا الوجود كلَّه ويسخِّره للإنسان، ثم يتركه سدًى وهملًا كالأنعامِ بلا حسابٍ ولا جزاءٍ، وأنه إن فعل ذلك فهو لاعبٌ وعابثُ، وليس في الوجود إلا كلُّ ما ينادي بأنه ما خلق إلا بالحقِّ وللحقِّ: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ * أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [ص: 27، 28] .

فلما صمُّوا آذانَهم عن داعي هذه الآيات، وعَمُوا فيها عن الهدى والحق - ذَهَبوا يتخبَّطون في غرورِهم واستكبارهم وغيِّهم، يقدِّسون الطبيعة والمادَّة، يتَّخِذونها ومجاليها ومظاهرَ جمالِها - زعموا - أربابًا وآلهةً من دون الله، ويَعبُدُونَها من كلِّ قلوبهم الكافرة الفاجرة، ويَدْعُون إليها دعوةً حارَّة بألسنتهم وأقلامِهم، ويزعمون - في وقاحةٍ وفجورٍ - أنه ما أخَّر الإنسانيةَ وقَعَد بها عن الرقي على معارجِ مَدَنيَّتِهم الكاذبة الفاجرة، وأنه ما غلَّها وقيَّدها بالأغلال الثقيلة، وقَعَد بها عن النهوضِ والتقدم؛ إلا الإيمانُ بالله وحدَه، والإيمان بالدار الآخرة.

ذَهَبوا يُوغِلُون في الوقاحةِ، ويُبَالِغُون في الفجورِ، فيزعمون أن الإنسانيةَ في عهود الوثنيةِ وعبادةِ الأصنام كانت أرقى منها في عهودِ الإيمان بالله، وإخلاصِ توحيده وعبادته ابتغاءَ رضوانِه ومَثُوبَتِه وحسن جزائه؛ فويلٌ ثم ويلٌ لهؤلاء الذين كَفَروا بالله وآياتِه وسننِه وشرائعِه وكتبِه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت