• قول الله - تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ * وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ} [إبراهيم: 13 - 17] .
لما فَرَغ المرسَلون من إقامةِ الحججِ القاطعة، والبراهينِ التي بُهِت بها الذين كَفَروا، وبَطَلت معاذيرُهم، وسُقِط في أيديهم، وغُلِبوا وانقَلَبوا صاغرين أمامَ ما ساق الرسُلُ وتَلَوا من الآياتِ البيِّنات - خَشِي أئمةُ الكفرِ، وشيوخُ الباطلِ، وسادةُ الوثنيةِ، الذين لا يَعِيشُون إلا مما يُجعلُ للأولياءِ والآلهةِ من الحرثِ والأنعامِ والأموالِ، ولا يجدونَ طعْمَ الحياةِ إلا في الكِبْر والتعظُّم على الدَّهماءِ والعامَّة لسَدَنة وخَدَمة قبورِ أولئك الموتَى، وزعم أنهم الواسطةُ بين العامَّة وبين الأولياءِ الذين هم واسطتُهم وشفعاؤهم عند اللهِ - عند قيامِ الحجَّة للمرسَلين واضحةً دكَّت صروحَ باطلِهم، وكشَفت عن زيغِهم ودجلِهم، وفَضَحت بهرجَهم وزخرفَ قولِهم؛ خشوا حينئذٍ أن يفلتَ أمرُ العامَّة من أيديهم، وتنهارَ بذلك صروحُ أباطيلِهم على رؤوسِهم، ففَزِعوا إلى التهديدِ والوعيدِ، ظهورًا بمظهرِ الرياسةِ والجبروتِ؛ ليرهبوا مَن حدَّثته/تحدِّثُه نفسُه من العامَّة أن يتبعَ أولئك المرسَلين، ويكفرَ بطواغيتِ هؤلاء الدجَّالين، فقالوا لرسِلهم: نُقْسمُ أعظمَ القسمِ وأغلظَ الأيمانِ: {لَنُخْرِجَنَّكُمْ} بقوَّتنا ونفوذِ سلطانِنا على الدهماءِ والعامَّة: {مِنْ أَرْضِنَا} التي قد غلَبْنا عليها بالرياسةِ والمشيخةِ، وأصبح أهلُها عبيدًا كالعبيدِ لنا، لا يخالفون لنا قولًا، ولا يَعصُون أمرًا، خوفًا من سلطانِنا الرُّوحي، وقوَّتنا السحريةِ التي أخضعناهم بها، وللمرسَلين أهلٌ وعشيرةٌ ودورٌ نشؤوا فيها في هذه القُرَى والبلاد، ولكن الجبَّارين المعانِدين يَزعُمون أن الأرضَ لهم بغيًا وظلمًا وعدوانًا؛ ليكونَ ذلك أعظمَ تأثيرًا في نفوسِ العامَّة وقهرًا لهم، وتحريضًا وإغراءً للسفهاءِ بالمرسَلين، حرصًا ومبادرةً للزُّلْفَى عند الجبَّارين المعانِدين.
وتلك خطَّة الذين كفروا، التي أوحاها إليهم شياطينُهم مع أوَّل المرسَلين إلى آخرِهم - عليهم الصلاة والسلام: {قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ} [الشعراء: 116] .