• قول الله - تعالى وجل ثناؤه:
{قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ * اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم:31 - 34] .
بعد أن عَجَّب العليمُ الحكيم نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - وكلَّ تَالٍ لكتاب الله حقَّ تلاوته، ومؤمنٍ به حقَّ إيمانِه - من أولئك الذين صدَّق عليهم إبليسُ ظنَّه، فاتَّبعوه مُقَلِّدين للآباءِ والشيوخِ، مُنسَلِخين من آياتِ الله، كافرين بنعمِه، ناسبين إليه الباطلَ والعبثَ في خلقِهم وإكرامِهم بجعلهم جماعةَ بَنِي آدم، فبدَّلوا نعمةَ الله عليهم في الإنسانيةِ وغيرِها مما تفضل به عليهم - سبحانه - وجعله في أنفسِهم وفي الآفاق أسبابًا لهدايتهم، ودواعي لرشدِهم، وما اقتضته حكمتُه ورحمتُه وعدله - سبحانه - من إرسالِ رسلٍ من أنفسهم إليهم مبشِّرين ومنذرِين، قد اصطفاهم أكملَهم خَلقًا وعقلًا، وأزكاهم قلبًا وأطهرهم نفسًا، بما كان يشهدُه منهم قومُهم، ويشهدون لهم به طولَ مصاحبتِهم ومخالطتِهم لهم في كل أطوارِ حياتهم قبل أن يبعثَهم اللهُ إليهم رسلًا وهادين مهتدين.
كل أولئك النِّعم بدَّلها أولئك البُلَداءُ الغافلون المقلِّدون كفرًا؛ فأحلُّوا أنفسَهم وقومَهم دارَ البَوَار والهلاكِ والخَسَار في الدنيا والآخرة، وهم لذلك أهلٌ، وهم به حَقِيقُون، فبعد أن عَجَّب اللهُ رسولَه - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين به من حالِ هؤلاء الخاسرين؛ وجَّه الخطاب إلى نبيِّه سيِّد عبادِه، العارفِ المقدِّر لنعمِ ربِّه، الشاكر لها حقَّ شكرها، وإلى كلِّ مَن عَرَف نِعمَ ربِّه عليه وقدرها وشكرها، وبالأخص نعمه - سبحانه - في آياتِه الكونية والعلمية، فقال عزَّ من قائلٍ:
قل أيُّها النبيُّ العابدُ الشاكرُ لعبادي الذين عَرَفوني، وعَرَفوا ما خلقتُهم له؛ فعَبَدونِي حقَّ عبادتِي وأَسلَمُوا فلم يتَّخذوا من دونِي وليًّا ولا نصيرًا، ولم يتَّخِذوا من دونِي أربابًا من أحبارِهم ورهبانِهم، وشيوخهم ورؤسائهم، ولم يَستَجِيبوا إلا لدعوةِ الله ورسولِه - صلى الله عليه وسلم