فهرس الكتاب

الصفحة 181 من 231

• قول الله - تعالى ذكره: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} [إبراهيم: 37] .

{مِنْ ذُرِّيَّتِي} ؛ أي: بعض ذريتي، قال الفراء: لم يأتِ من الذرية بشيءٍ يقعُ عليه الفعل؛ مثل أن تقول: قد أصبنا من بنِي فلانٍ، وإن لم تقلْ رجالًا؛ لأن"مِن"تؤدِّي معنى بعض القوم، كذلك: قد أصبنا من الطعام، وشَرِبنا من الماء.

ومثلُه قوله - تعالى: {أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ} [الأعراف: 50] ؛ فتكون"من"للتبعيضِ.

وبعضُ ذريتِه: إسماعيل وبَنُوه، الذين كان منهم قريشٌ وغيرُها من القبائل العربية، الذين سَكَنوا هذا الوادي وما حوله.

ويدل التبعيض على: أنه كان لإبراهيم - عليه السلام - حين دعا هذا الدعاءَ ذريَّة أخرى أَسكَنها بغير هذا الوادي، وهو إسحاق الذي كان مع أمِّه سَارة بأرض الشامِ.

ويدلُّ على أن هذا الدعاءَ كان بعد إنزالِ إسماعيلَ وأمِّه هاجرَ بمدَّة طويلةٍ بُنِي فيها دورٌ ومساكنُ في هذا المنزلِ محلَّ"زمزم"، كما جاءت الرواية بنزول جُرْهُم مع هاجرَ، وتوطنِهم هذه البقعة، وأن هاجرَ فَرِحت بهم لحاجتِها لمن يؤنسها، ويدلُّ لذلك قولُ إبراهيمَ - عليه السلام - في أول دعائه:"ربِّ اجعل هذا البلدَ آمنًا"، والبقعة الخالية من الدور والمساكن لا تسمَّى بلدًا، وإنما تسمَّى بذلك حين تكون آهلةً بالدور والمساكن والسكَّان.

ويدلُّ لذلك أيضًا أن القرآنَ صرَّح بأن اللهَ لم يرزق إبراهيمَ ذريَّة أخرى غير إسماعيل إلا بعد حادثِ ذبحِ إسماعيلَ، وهذا الحادث لم يكن إلا بعد إقامةِ إسماعيلَ وأمِّه بهذا الوادي مدَّة، كان فيها إسماعيلُ قد بلغ التمييزَ والفهم الذي يقول به لأبيه: {يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الصافات: 102] ؛ فإن إبراهيم بعد أن نجح أعظمَ النجاحِ في امتحانِ ربِّه بذبحِ ولدِه وحيدِه إسماعيلَ، وكان هذا هو البلاءَ العظيمَ للوالدِ والولدِ، وكانا بذلك النجاحِ والصبرِ من أعظم المحسنين، كافأَ اللهُ إبراهيمَ، فبشَّره بإسحاقَ نبيًّا من الصالحين من"سارة"في بلادِ الشام، وكأن هذا هو البعضُ الآخرُ من ذرية إبراهيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت