• قول الله - تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ} [إبراهيم: 19، 20]
معنى {أَلَمْ تَرَ} : الإيقاظُ والتنبيهُ، وتوجيه البصيرة إلى التفكُّر في خلق السموات والأرض، وما بثَّ فيها من آياتِ قدرته وحكمتِه، ودقَّة صنعِه، وبديعِ نظامِه، وتسخيره لهما ولما فيهما، بغايةِ الإحكامِ والإتقانِ في خدمةِ الإنسان، ولنفعه وخيره، وتنبيهِه لِما لله خالقِهما ومسخِّرهما من العظمةِ والرحمةِ بالإنسان، والنِّعم السوابغ عليه آناءَ الليل وأطرافَ النهارِ، وما تنادي به هذه السمواتُ والأرضُ وما فيهما من آياتٍ بقهرِ الله وقوَّته المطلقةِ، وغلبه وعزته، وأن الله العليمَ الحكيمَ لم يخلق شيئًا عبثًا ولا لعبًا في هذه السموات والأرضِ، فانظر - أيها الإنسان - بعقلِك وبصيرتك، وتأمَّل في أقلِّ شيءٍ من هذا الخَلقِ وأصغره من حيوان أو نبات، أو أي عضو من أعضائك، بل شعرة من شعرك، هل تجد في شيءٍ من ذلك لعبًا أو عبثًا بدون حكمة أو غاية صالحة مُصلِحة؟
بل تأمَّل في طعامِك وشرابك وهوائك الذي تستنشقه، وفضلات ذلك، وما جعل الله لها - برحمته وحكمته - من مخارجَ ومنافذَ لكلِّ شيء بحسبِه، ذلك تقدير العزيز العليم: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [السجدة: 7 - 9] .
فتعالى الله وتَنَزَّه عن أن يكونَ شيءٌ خَلَقه - مما سخَّره لك أيها الإنسان - لعبًا وعبثًا، أفلا يكون خلقُك أنتَ في أحسنِ تقويم، ونفخُه فيك من روحِه، وتعديلُه إيَّاك في أتقنِ صورةٍ، أفلا يكون خلقُك أنت - والحالة هذه - بالحقِّ وللحق، الذي يستحيلُ أن يكونَ فيه عبثٌ أو لعبٌ، أو أن يكونَ للعبثِ واللعبِ؟
فما بالك بعد ذلك كلِّه تلهو وتلعب؟
أليس ما أنتَ فيه من تعطيلِ سمعِك وبصرِك وعقلِك عن التفكرِ في آياتِ الله الكونية، وتدبُّر آياتِه العلميةِ القرآنيةِ، وقتلِك لمواهب الله، وكفرِك بهذه النعمِ العظمى التي أُكرِمتَ بها وميِّزت عن كلِّ المخلوقاتِ، وإخلادِك إلى التقليد الأعمى - عبثًا أقبحَ العبثِ، ولعبًا أسفهَ اللَّعِب؟