تاللهِ، إنك لجهولٌ ظلومٌ كَفَّار، انسلختَ من آياتِ اللهِ ونعمتِه في سمعِك وبصرِك؛ فجَهِلت نعمةَ الله عليك، وجَهِلت حكمتَه في حفظِ رسالةِ خاتم رسلِه، وإبقائها على صورتِها من الكتاب الكريم، الذي لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خلفِه، كما نزل من عنده وتلاه جبريلُ، لم تستطعْ يدُ العدوِّ أن تنال منه تحريفًا ولا تبديلًا، ومن سنَّة هذا الرسولِ الصادق الأمين - صلى الله عليه وسلم - التي بيَّن بها - بأمر اللهِ مرسِلِه - ما تنَزَّل عليه من الكتاب تبيينًا واضحًا مفصلًا لك كلَّ ما تحتاجُه في عقيدتِك وعبادتِك ودنياك وآخرتِك.
جَهِلت حكمةَ الله في ذلك كلِّه؛ فظَلَمت نفسَك بهذا الجهلِ، ورَمَيت بها من علوِّ كرامتِك التي رَفَعك الله إليها إلى دَرَكاتِ البهيميةِ، فكفرت باللهِ وآياتِه ونعمِه أشدَّ الكفر، فاستولى عليك شياطينُ الجنِّ والإنس، حتى نسبتَ العبثَ واللعبَ إلى الله - سبحانه وتعالى - فزَعَمتَ أنك خُلِقتَ لتتمتعَ وتأكلَ كما تأكلُ الأنعامُ.
نَسَبتَ إلى اللهِ العبثَ واللعبَ، فزَعَمت أن تدبيرَه لك ولهذا الوجود لا يكون إلا بواسطةِ الموتى، وشفاعات الأولياءِ، في حين أنك تَنقِمُ من حكَّامك - الذين هم عبيدٌ ذوو أهواءٍ وأغراضٍ مثلُك - أن يكونَ قيامُهم على شؤونك وشؤون المحكومينَ على الوسائطِ وشفاعات المقرَّبين، ووصفتَ هؤلاءِ الحكَّام حين يكونون كذلك، بأنهم عابثون مفسِدون، ثم أنتَ ترضى للعليمِ الحكيمِ من الوساطةِ في قضاءِ الحاجات، وتدبير الأمر ما لا ترضاه لحكَّامك، حقًّا إنك لظلوم جهول كَفَّار.
وبجهلِك وظلمِك نسبتَ العبثَ واللعبَ إلى اللهِ في يومِ الدينِ، وفصل القضاء بين العباد، فقلتَ:"إن المحسوب منسوب، ولو كان معيوب"، وأنه بهذه النسبة سينجو من الحسابِ على ما اقترف من جرائمِ الشرك والفسوقِ والعصيان.
وكذَّبت اللهَ في قولِه: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ * فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} [المؤمنون: 101 - 103] .