• قول الله - تعالى ذكره - من دعاء عبده وخليله إبراهيم - عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [إبراهيم: 36] .
"إنهن": الضميرُ يعودُ على الأصنام، التي سأل إبراهيمُ ربَّه - في صدقٍ وإلحاحٍ - أن يجنِّبه وبَنِيه عبادتَها، وأعاد الضميرَ مؤنثًا تحقيرًا وامتهانًا لها؛ ولأنها جميعَها - في حقيقتِها - أحجارٌ وأخشابٌ وأنصابٌ وقبابٌ، وإن سمَّوها بأسماءِ الأنبياءِ والصالحينَ، فهم - في الواقعِ ونفس الأمر - إنما يعظِّمون ويقدِّسون ما يَنحِتُون بأيديهم وآلاتِهم من هذه المادَّة الجامدة، والأنبياءُ والصالحون والملائكةُ والكواكبُ غَافِلُون عن عبادتِهم، لا يَدرُون عنها شيئًا، ويومَ القيامةِ إذ يَجمَعُهم الله يَبْرَؤون منهم ويَكفُرُون بشركِهم، وهذا هو سرُّ ضميرِ الإناثِ، فهو - صلى الله عليه وسلم - يقول: يا ربِّ، يا مَن ربيَّتنِي بعظيمِ برِّك وفضلِك، وتتعهَّدنِي بلطفِك ورحمتِك، حتى بلغتُ بهذه التربيةِ الدائمةِ المتتالية منك يا ربِّي وربَّ العالَمين أن كنتُ في هذه النعمةِ العظمى من العلم والهدى والإيمان، والحب الصادق النقي لك وحدك، والمَقْت والكفر والعَدَاء البالغ لهذه الأصنامِ وعابديها؛ ففي ندائه ودعائه"ربِّ": إِشعارٌ واستحضارٌ وتقديرٌ لما للهِ عليه من فضلِ الربوبية التي ربَّاه بها، ولا يزالُ يربِّيه، فهو يَستَعطِف ويَستَرحِم بآثار هذه الربوبيةِ؛ من الفضلِ، والرحمةِ، والبِرِّ، والإحسانِ، والقدرةِ، والعلمِ، والحكمةِ، والجلالِ، والإكرامِ، ولقد كان من آثارِ فضلِ تربيةِ اللهِ لإبراهيمَ برحمته وفضلِه وحكمته، أن جنَّبه من طفولِته، وأبعدَه من ساعةِ ميَّز وعَقَل هذه الأصنامَ، التي وُلِد في حجرِها، ونَشَأ في ظلِّها، وكانت أولَ شيءٍ رآه وعَرَفه في بيت أبيه آزر، الذي كان خَصيصًا في تقديسِها وحفيًّا بها، وحريصًا عليها، على ما وَصَف اللهُ من شأنِه في كثيرٍ من آيِ الذكر الحكيم، لقد كانَ إبراهيمُ ولدَ ذلك الكاهنِ المقدَّم في تعظيمِ الأصنام وتقديسِها، المفتونِ بها فتنةً مَلَكت عليه كلَّ حواسِّه ومشاعرِه - لما يعلم الله مما كان يدعوه إلى ذلك - حتى كان أشدَّ الكافرينَ قسوةً على ابنِه إبراهيمَ، وأعنفَ المشركينَ في معاملةِ ابنِه المحسنِ الرحيمِ إبراهيمَ. والذي لا شكَّ فيه أن كلَّ والدٍ فلا بدَّ أن يُعنَى أشدَّ العنايةِ بغرسِ عقيدةِ دينِه وطقوسِه وتعاليمِه في نفسِ ولدِه من الطفولةِ، وأن يتعهَّد ذلك بكلِّ أنواعِ التعهُّد لينموَ الغرسُ كلَّما نَمَا