فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 231

• قولُ الله - تعالى ذكره: {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ} [إبراهيم: 18] .

{مَثَلُ} : مرفوعٌ على أنه مبتدأٌ، خبرُه {كَرَمَادٍ} ... إلخ.

قال الفرَّاء:"التقديرُ: مثَلُ أعمالِ الذين كَفَروا بربِّهم كرمادٍ، فحُذِف المضافُ؛ اعتمادًا على ذكرِه بعد المضافِ إليه، وذلك أن العربَ تقدِّم المضافَ إليه؛ لأنه أعرفُ، ثم تأتي بالذي يُخبَر به عنه معه، كهذه الآية، ألا ترى أنه قدَّم {الَّذِينَ} ، كقولِه - تعالى: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} [السجدة: 7] ؛ أي: خَلَق كلَّ شيءٍ."

ومثلُه قولُه: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ} [الزمر: 60] ، المعنى: ترى وجوهَ الذينَ كَذَبوا على اللهِ مسودَّة.

قال أبو عليٍّ الفارسيُّ:"معنى"المثل"الشبه في جميعِ مواضعِه ومتصرفاته من اللغة: من ذلك قولِهم: ضربتُ مثلًا؛ فالمثلُ: إنما هو الكلمةُ التي يُرسِلها قائلُها محكمةً ليشبهَ بها الأمورَ، ويقابلَ بها الأحوالَ."

ومن ذلك قولِهم للقاصِّ: المثال، وتَمَاثَل العليلُ، إذا قاربت أحوالُه أن تشابهَ أحوال الصحةِ والعافية، والطريقةُ المُثْلَى: إنما هي المشبهةُ للصوابِ، ولن يقدر أحدٌ أن يوحِّدننا استعمالَ العربِ"المثل"بمعنى الصفةِ في كلامِهم.

وواضحٌ في هذه الآيةِ أن الله - سبحانه - يضربُ المثلَ الأعلى ويشبِّهها بالرمادِ الذي حَمَلته وذَهَبت به مشتدَّةً، وفرَّقته ذاتَ اليمينِ وذاتَ الشمالِ في يومٍ عاصفٍ.

{الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ} [إبراهيم: 18] ؛ أي: الذين كَفَروا بما أنعم عليهم، بربوبيتِه وأقام لهم من آياتِ ربوبيتِه في أنفسِهم بالسمعِ والبصرِ والفؤادِ، وفيما سخَّر لهم في السمواتِ والأرضِ؛ فَانسَلَخوا من هذه الآياتِ بالتقليدِ الأعمى والخلودِ إلى أرضِ البهيميةِ، فغَرِقوا في بحارِ الغفلةِ والأهواءِ والشهواتِ، ومَرُّوا على آياتِ اللهِ في السمواتِ والأرضِ وفي أنفسِهم [وهم] عنها معرضون، لا يُفكِّرون ولا يتأمَّلون؛ لأنهم ليس لهم قلوبٌ تَفقَهُ، ولا عيونٌ تُبصِر، ولا آذانٌ تَسمَع، بل هم كالأنعامِ السائمةِ، لا همَّ لهم إلا بطونُهم وفروجُهم، وأولئك الذين كَفَروا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت