بربِّهم كذلك، تَعِجُّ بهم الأرضُ في كلِّ زمانٍ، وبالأخص في زمننا هذا، وفيهم كثيرٌ جدًّا تحتَ أسماءٍ وسماتٍ وثيابٍ إسلاميةٍ، لا تُغنِي عنهم من الحقيقةِ التي يَقصِدُها الله ويَعنِيها شيئًا.
{كَرَمَادٍ} : والرماد ما يؤول إليه الفحمُ والحطبُ بعد الاحتراقِ، وهو غيرُ الترابِ، ويقالُ: صار الرمادُ رمددًا، إذا صار هباءً أدقَّ ما يكون، ورمد اللحم: إذا ألقاه في الرمادِ الذي لا تزال فيه حرارةُ النارِ؛ ليتمَّ نضجُه وشِوَاؤه.
و {اشْتَدَّتْ} : بَلَغَت في هبوبِها وسرعتِها الغايةَ، يقالُ: اشتدَّ فلانٌ في عَدْوِه، إذا بَلَغ منتهى قوَّته في السرعة.
• وقولُه: {فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ} : قال الزَّجَّاج: عَصَفت الريحُ عصوفًا، وأَعصَفَت إعصافًا، إذا اشتدَّت في هبوبِها.
وقال الفرَّاء: جعل العصوفَ تابعًا لليومِ في إعرابِه، وإنما العصوفُ للرياحِ، وذلك جائزٌ؛ لأن العصوفَ وإن كان للريحِ، فإن اليوم قد يوصَف به؛ لأن الريحَ إنما يكونُ فيه، فجائزٌ ذلك، كما جاز أن يقال: يومٌ باردٌ، ويومٌ حارٌّ، والبردُ والحرُّ فيهما، والعرب تفعل ذلك في الظروفِ، قال جرير:
لَقَدْ لُمْتِنَا يَا أُمَّ غَيْلاَنَ فِي السُّرَى = وَنِمْتِ، وَمَا لَيْلُ الْمَطِيِّ بِنَائِمِ
فوصفَ الليلَ بالنومِ لَمَّا كان فيه.
ومثله: يومٌ ماطرٌ، وليلةٌ ماطرةٌ، قال الله - تعالى: {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} [سبأ: 33] ، أضاف المكرَ إليهما وهما لا يَمكُرانِ، وقال: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا} [يونس: 67] ، ومنه قولُ جريرٍ:
وَأَعْوَرَ مِنْ نَبْهَانَ، أَمَّا نَهَارُهُ = فَأَعْمَى، وَأَمَّا لَيْلُهُ فَبَصِيرُ
ووجهٌ آخرُ: أن يكونَ على حذفِ الريحِ؛ أي: يومٍ عاصفِ الريحِ، فحُذِفت الريح؛ لأنها قد ذُكِرت في أوَّل الكلام، كما قال الشاعر:
إِذَا جَاءَ يَوْمٌ مُظْلِمُ الشَّمْسِ كَاسِفٌ
يُرِيد"كاسفُ الشمسِ"، فحَذَفه؛ لأنه تقدَّم ذكرُه.