• قول اللهِ - جل ذكره: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [إبراهيم: 4] .
{بِلِسَانِ قَوْمِهِ} ؛ أي: لغتِهم التي يفهمونَها ويعبِّرون بها عمَّا في نفوسِهم، ويَتَخاطَبون بها بينهم؛ ليبيِّن لهم ما هم بحاجةٍ إليه في معاشِهم ومعادِهم، ويبيِّن لهم ما يَجِب أن يتَّقوه ويَحذَروه مما يُرْكِسهم في حمأةِ البهيمية القذرة، ويَستَوجِب سخَطَ اللهِ عليهم، وردَّهم إلى أسفلِ سافلينَ في الدنيا والآخرةِ.
اقتضت رحمةُ اللهِ وحكمتُه أن يبعثَ الرسلَ في قومِهم بلغتِهم ولسانِهم؛ ليبيِّنوا لهم ما نُزِّل إليهم، وليُقِيموا حجَّة اللهِ عليهم، فإذا بَلَّغ الرسولُ ما أُنزِلَ إليه من ربِّه، وخَاطَب الناسَ به خطابًا يفهمونَه ويَعقِلونه - يكونُ بذلك قد أدَّى واجبَه الذي أَلزَمَه به ربُّه، وليس له بعد ذلك من أمرِ القلوبِ شيءٌ؛ فإن القلوب بيدِ اللهِ وحدَه {فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ} [إبراهيم: 4] ، ممن كفَر بنعمةِ الله في إنسانيته، فلم يَشكِر اللهَ على سمعِه ولا على بصرِه ولا على قلبِه، بل انسلَخ من هذه الإنسانية بالتقليدِ الأعمى لآبائِه وسادتِه وكُبَرائه، أو غَلَبه هواه وعبادتُه للدنيا، ورياستُها، ومتاعُها القليل، فأَكَل قلبَه الحقدُ والحسدُ، فزَاغَ بهؤلاءِ تقليدُهم وحقدُهم عن الصراطِ السوي: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [الصف: 5] .
فَسَقُوا عن سننِ اللهِ الكونيةِ، ونظامِه الحكيمِ في الإنسانية، وفَسَقُوا وتَمَرَّدوا عن آياتِه العلميةِ، {وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} ، ممن عَرَف نعمةَ الله فشَكَرها وقَدَرها، وانتَفَع بآياتِ اللهِ الكونية والعلميةِ: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} [محمد: 17] .
• {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [إبراهيم: 4] : الغالبُ القاهرُ فوق عبادِه، الذي يَغضَب لحِمَاه، ويَغَارُ أعظمَ الغَيرةِ على آياتِه وسننِه وفطرتِه.
• {الْحَكِيمُ} : المُنَزَّه عن العبثِ واللَّعِب، والذي لا يكونُ شيءٌ من فعلِه إلا في موضعِه الذي لا يصلحُ إلا له؛ فيضعُ الإضلالَ والإزاغةَ في موضعِها من النفوسِ، التي هي أهلٌ لها، ويضعُ الهدايةَ في موضعِها من النفوسِ، التي هي لها أهلٌ، ولقد قَضَت حكمةُ اللهِ ورحمتُه بالناس أن يرسِل إليهم هؤلاءِ الرسلَ في كلِّ زمنٍ، ليُخْرِجُوهم من الظلماتِ إلى النور، ويَهْدُوهم إلى صراطِ اللهِ العزيز الحميد، ولتقومَ حجَّة اللهِ على الناسِ في كلِّ زمنٍ؛ فإنه ما خُلِق الإنسانُ إلا