ليَعرِف اللهَ ونعمتَه عليه، فيَشكُرها بإخلاصِ العبادة له، والاستقامةِ على صراطِه المستقيمِ في دينِه ودنياه، وكان كلُّ رسولٍ يُبعَث إلى قومِه خاصَّة، وقد يكونُ في الوقتِ الواحدِ رسولانِ وعدَّة رسلٍ، بل في الأمّةِ الواحدةِ رسولانِ وأكثرُ، على قدرِ طاقةِ الرسلِ، وعلى قدر حاجةِ الأمّةِ، واللهُ يعلمُ أنه سيخلقُ للناسِ من أسبابِ القربِ والاتصال بسرعةِ المواصلاتِ البريَّةِ والبَحْريةِ والهوائيةِ، والمخاطبةِ بالتليفون والتلغراف والراديو وغير ذلك مما سيُحدِثه الله في الأرض - ما أصبح به العالَم كأسرةٍ واحدةٍ، يستمعُ المصريُّ في غرفةِ نومِه ومكتبِه إلى حديث الأمريكي أو الهندي أو الصيني، وقد يكلِّمه وهو يرى صورتَه ماثلةً أمامه"بالتليفزيون"؛ مما يَجعَله جليسَه في مَخدعِه ومكتبِه.
من أجلِ ذلك الاتصالِ والارتباطِ، بَعَث الله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - للناسِ كافَّة بشيرًا ونذيرًا، وأنزل عليه القرآنَ جامعًا لكلِّ أنواعِ الهُدَى والرحمة، ومتناولًا كل شؤونِ الحياةِ بأقومِ أسبابِ الإصلاحِ والتهذيب، ليَخرُجوا في كلِّ وقتٍ ومكانٍ من ظلماتِ جهلِهم وظلمِهم لأنفسِهم - باتِّباعِ أهوائهم وشهواتِهم البهيمية - إلى نورِ الإيمانِ الصحيحِ والعملِ الصالحِ، والخُلقِ الكريمِ، والتعاونِ على البرِّ والتقوى والمحبةِ، والإخاءِ الصافِي الذي لا تعكِّره أطماعٌ، ولا أهواءٌ، ولا شهواتٌ؛ لأن الجميعَ يؤمِنُ - في ظلِّ هذا الهدى - بأن الرزقَ مكفولٌ من الرزَّاق ذي القوَّة المتين، وأن السَّعْي إليه إنما هو لعمارةِ الأرض وإصلاحِها، لا لإفسادِها وسفكِ الدماءِ، وأن الحياةَ الدنيا متاعٌ قليلٌ، وأن الآخرةَ هي دارُ القرارِ، وأننا ما خُلِقنا لهذه الدارِ، وإنما خُلِقنا فيها لنَعبُرَ على قنطرتِها إلى الدارِ الباقيةِ، دارِ القرارِ والخلود، ومن أجلِ هذا أَوجَد الله للإنسانيةِ في البقيةِ الباقيةِ من حياتِها الشرائعَ على لسانِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - وخاطب الناسَ بهذه الرسالةِ والشرائعِ الواحدةِ؛ لأنهم في الواقعِ أصبحوا أسرةً واحدةً، لو أنهم آمَنوا بها وعَمِلوا على تنظيمِها على أساسِ هذه الشريعةِ الواحدةِ؛ لنَعِمَوا بسعادةٍ وحياةٍ طيبةٍ، طالما حَلموا بها، وضَرَبوا في بَيْدَاءِ الأهواءِ، وأَوقَدوا نيرانَ الحروبِ المُستَعِرَة، ثم عَقَدوا المؤتمراتِ، واتَّخذوا القراراتِ، وجَمَعوا النظرياتِ، يَسعَون إلى هذه الحياةِ الطيبةِ، ولكنهم لا يَلبَثُون أن يَجِدوا الخيبةَ والخسرانَ قد ملأا أيديهم، وشعروا أن البؤسَ والشقاءَ محيطٌ بهم من كلِّ ناحيةٍ، والاضطراب والقلق يملأان نفوسَهم، وظلمات الهمومِ والأحزانِ تُقِضُّ مضاجعَهم،