ثم يَضرِبون - مرَّة أخرى - في بَيْدَاء الأهواءِ يَبحَثون عن سبيلٍ لطِيب الحياةِ وسلامِها وأمنِها، فيَدُورون حولَ أنفسِهم، ويَعُودون من حيثُ بَدَؤوا.
وهكذا هم يتخبَّطون في بَيْدَاء ظلمِهم ومتاهةِ بَغْيهم، وصَحَارى غَيِّهم، لا يَخرُجون من شقاءٍ إلا إلى ما هو شرٌّ منه، ولا يَخرُجون من نكدٍ إلا إلى ما هو أنكدُ منه، ولا يَكَادُون يَضَعون أوزارَ حربٍ إلا لإيقادِ حربٍ أشدَّ هولًا من التي قبلها، لا يَهتَدون أبدًا إلى طِيب الحياةِ وأمنِها، ولن يَجِدوا إلى ذلك سبيلًا إلا إذا آمَنوا بهذه الرسالةِ العامَّة، واهتَدَوا بسراجِها المنيرِ، واتَّبعوا كتابَ اللهِ، وبيانَ رسولِه - صلى الله عليه وسلم - واستقاموا على ذلك؛ علمًا، وعملًا، واعتقادًا، وخُلقًا، وحُكمًا: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [النور: 52] .
ما أرسَل الله رسولًا إلا بلسانِ قومِه ولغتِهم؛ ليخاطبَهم بما يَفهَمون، ويَفهَم عنهم ما يَقُولون وما يَعمَلون؛ ليبيِّن لهم الحقَّ من الباطلِ، والهُدَى من الضلالِ، ويرشدَهم بما يوحَى إليه إلى ما به يَسعَدون في الدنيا والآخرةِ.
ما أرسَل اللهُ من رسولٍ إلا بلسان قومِه؛ لأن اللهَ ما أرسَل رسولًا إلا ليطاعَ ويُتَّبعَ فيما رَسَمه للناسِ بما يوحي إليه ربُّه من سبيلِ الحياةِ وطريقِها المستقيم، ولن تتحقَّق هذه الطاعةُ، ولن يكونَ هذا الاتِّباعُ إلا إذا فَهِمهم وفَهِموه، وخَاطَبهم بما يَعرِفون ويَفهَمون.
ما أرسَل اللهُ من رسولٍ إلا في قومِه وبلسانِهم؛ ليكونَ له من قومِه عصبةٌ قويةٌ، تؤمِن به عن علمٍ به وفَهْمٍ له، وبينةٍ تشدُّ عضدَه وتؤيِّده، وتقومُ معه؛ عونًا له على إبلاغِ دعوتِه، وإنقاذِ الناسِ بنورِ هدايتِه، ثم يكونون بعد موتِه هم حملةَ رسالتِه، والمبلِّغين لسنَّتِه، والداعين لدينِه، حتى تَبقَى حجةُ اللهِ قائمةً، وتستمرَّ شمسُ رسالتِه مشرِقةً، تفيضُ على الناسِ ما فيه أطيبُ الحياةِ.
اختار اللهُ العليمُ الحكيمُ رسولَه الخاتمَ محمدًا - صلى الله عليه وسلم - من الأمةِ العربيةِ؛ لأنها - وإن كانت تتساوى مع بقيةِ الأممِ في الارتكاسِ في الشركِ والوثنيةِ، والوقوعِ تحت سلطانِ التقليدِ الأعمى الذي قَتَل الإنسانية، والانغماسِ في الفواحشِ ما ظهر منها وما بَطَن، والإثم والبغي بغيرِ الحقِّ - إلا أنها مع ذلك كلِّه كانت الخِيرةَ من الناسِ في هذا الوقتِ، بما حَفِظت