من صفاتِ الرجولة؛ شهامةً، وحميَّةً، وإباءً للضيمِ، وصيانةً للحريم، وقيامًا بحقِّ الجوارِ، ثم بعد هذا - وفوق هذا - حفظًا للأنسابِ، وربطًا لوشائجِ القُربَى، وتوثيقًا لعُرَى العصبيةِ، وإن كان ذلك في غلوٍّ وإسرافٍ، لكن ذلك كان أيسرَ على القرآنِ والرسولِ - صلى الله عليه وسلم - أن يُزِيلَه ويطهِّر النفوسَ منه، مما كانت الأمم الأخرى ملوَّثةً به من الانحلالِ والخنوثةِ، ومن ارتكاسِ العقولِ في ظلماتِ الفلسفةِ القاتلة، والجدلياتِ في أمورٍ لا تَمُتُّ إلى الحقيقة بسبب.
وفى الحديثِ - الذي رواه مسلم: (( إن اللهَ نَظَر إلى الناسِ، فَاصطَفَى منهم إبراهيمَ، ثم نَظَر إلى ولدِ إبراهيمَ، فَاصطَفَى منهم إسماعيلَ، ثم نَظَر إلى ولدِ إسماعيلَ فَاصطَفَى كنانةَ، ثم نَظَر إلى كنانةَ، فَاصطَفَى منهم قريشًا، ثم نَظَر إلى قريشٍ، فَاصطَفَى منهم هاشمًا، ثم نَظَر إلى بنِي هاشمٍ، فَاصطَفَانِي منهم، فأنا خيارٌ من خيارٍ من خيارٍ من خيارٍ ) ) [1] .
إذًا فقد اصطفى اللهُ العربَ؛ ليَصطَفِيَ منهم خاتَمَ رسلِه - صلى الله عليه وسلم - ثم نشَّأهُ بينهم في كلِّ أطوارِ نشأتِه؛ ليكونوا على بينةٍ من أمرِه، وأعرفَ الناسِ به، فعَرَفوه من طفولتِه إلى بِعثتِه ما ضلَّ وما غَوَى، ولا عابوه بشيءٍ مما كان شبابُهم وشيوخُهم يتمرَّغون فيه من رذيلةٍ وسَفَهٍ، حتى كانوا لا يَدْعُونه إلا الأمين، ولم يكن يشاركُه في هذا اللقب أحدٌ.
فلمّا زالت عن عقولِهم غشاوةُ التأثرِ بالرؤساءِ الذين كانوا يَحسُدونه على ما آتاه اللهُ من فضلِه، وكانوا لهذا الحسدِ يعملونَ جاهدينَ على تشويهِ حقِّه، والحيلولةِ بين الناسِ وبينه، فلما قتَلهم اللهُ في بدرٍ وغيرِها، وزالت هذه العقباتُ - رجَع العربُ إلى صوابِهم، واستيقظَ في نفوسِهم ما كانوا يَعرِفون به محمدًا؛ فسارعوا إلى اتِّباعِه والإيمانِ به، ثم كانوا أحرصَ الناس على تأييدِه ونصرِه في حياتِه وبعد موتِه؛ لأنهم قَدَروا نعمةَ الله عليهم في هذه الرسالةِ المباركةِ، التي أكرمهم الله بها، وأشرقت شمسُها من بينهم؛ لتوقظَ العالَم وتُحيِيَه بأشعتِها القوية.
(1) الحديث الذي رواه مسلم في كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبي - صلى الله عليه وسلم - وتسليم الحجَر عليه قبل النبوة، ونصه:"عن أبي عمار شدادٍ أنه سَمِع واثلة بن الأسقع يقول: سَمِعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيلَ، واصطفى قريشًا من كنانةَ، واصطفى من قريشٍ بني هاشمٍ، واصطفاني من بني هاشمٍ ) )؛ وذلك لأن الشيخ - رحمه الله - كان يكتب من حفظه."